تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
أي استأجره ليرعى لنا الغنم ، وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة . وقد اتفق على جوازها ومشروعيتها جميع علماء الإسلام إلا الأصم فإنه عن سماع أدلتها أصم ، وجملة ( إن خير من استأجرت القوي الأمين ) تعليل لما وقع منها من الإرشاد لأبيها إلى استئجار موسى : أي إنه حقيق باستئجارك له لكونه جامعا بين خصلتي القوة والأمانة . وقد تقدم في المروى عن ابن عباس وعمر أن أباها سألها عن وصفها له بالقوة والأمانة فأجابته بما تقدم قريبا ( قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ) فيه مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل ، وهذه سنة ثابته في الإسلام ، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ، والقصة معروفة ، وغير ذلك مما وقع في أيام الصحابة أيام النبوة ، وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( على أن تأجرني ثماني حجج ) أي على أن تكون أجيرا لي ثماني سنين . قال الفراء : يقول على أن تجعل ثوابي أن ترعى غنمي ثماني سنين ، ومحل ( على أن تأجرني ) النصب على الحال ، وهو مضارع أجرته ، ومفعوله الثاني محذوف : أي نفسك و ( ثماني حجج ) ظرف . قال المبرد : يقال : أجرت داري ومملوكي غير ممدود وممدودا والأول أكثر ( فإن أتممت عشرا فمن عندك ) أي إن أتممت ما استأجرتك عليه من الرعي عشر سنين فمن عندك أي تفضلا منك لا إلزاما مني لك ، جعل ما زاد على الثمانية الأعوام إلى تمام عشرة أعوام . موكولا إلى المروءة ، ومحل ( فمن عندك ) الرفع على تقدير مبتدأ : أي فهي من عندك ( وما أريد أن أشق عليك ) بإلزامك إتمام العشرة الأعوام ، واشتقاق المشقة من الشق : أي شق ظنه نصفين ، فتارة يقول أطيق ، وتارة يقول لا أطيق . ثم رغبه في قبول الإجارة فقال ( ستجدني إن شاء الله من الصالحين ) في حسن الصحبة والوفاء ، وقيل أراد الصلاح على العموم ، فيدخل صلاح المعاملة في تلك الإجارة تحت الآية دخولا أوليا ، وقيد ذلك بالمشيئة تفويضا للأمر إلى توفيق الله ومعونته . ثم لما فرغ شعيب من كلامه قرره موسى ف ( قال ذلك بيني وبينك ) واسم الإشارة مبتدأ وخبره ما بعده ، والإشارة إلى ما تعاقدا عليه ، وجملة ( أيما الأجلين قضيت ) شرطية وجوابها ( فلا عدوان علي ) والمراد بالأجلين الثمانية الأعوام والعشرة الأعوام ، ومعي قضيت وفيت به وأتممته ، والأجلين مخفوض بإضافة اي إليه ، وما زائدة . وقال ابن كيسان : " ما " في موضع خفض بإضافة أي إليها ، و " الأجلين " بدل منها ، وقرأ الحسن ( أيما ) بسكون الياء ، وقرأ ابن مسعود ( أي الأجلين ما قضيت ) ومعنى ( فلا عدوان علي ) فلا ظلم علي بطلب الزيادة على ما قضيته من الأجلين : أي كما لا أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام لا أطالب بالنقصان على العشرة . وقيل المعنى : كما لا أطالب بالزيادة على العشرة الأعوام لا أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام ، وهذا أظهر . وأصل العدوان تجاوز الحد في غير ما يجب . قال المبرد : وقد علم موسى أنه لا عدوان عليه إذا أتمهما ، ولكنه جمعهما ليجعل الأول كالأتم في الوفاء . قرأ الجمهور ( عدوان ) بضم العين . وقرأ أبو حيوة بكسرها ( والله على ما نقول وكيل ) أي على ما نقول من هذه الشروط الجارية بيننا شاهد وحفيظ ، فلا سبيل لأحدنا إلى الخروج عن شئ من ذلك . قيل هو من قول موسى ، وقيل من قول شعيب ، والأول أولى لوقوعه في جملة كلام موسى ( فلما قضى موسى الأجل ) هو أكملهما وأوفاهما ، وهو العشرة الأعوام كما سيأتي آخر البحث ، والفاء صريحه ( وسار بأهله ) إلى مصر ، وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء ( آنس من جانب الطور نارا ) أي أبصر من الجهة التي تلي الطور نارا ، وقد تقدم تفسير هذا في سورة طه مستوفى ( قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر ) وهذا تقدم تفسيره أيضا في سورة طه وفي سورة النمل ( أو جذوة ) قرأ الجمهور بكسر الجيم ، وقرأ حمزة ويحيى بن وثاب بضمها ، وقرأ عاصم والسلمي وذر بن حبيش بفتحها . قال الجوهري : الجذوة