تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
ثم استقى لهم سجلا واحدا فسقى الغنم ، ثم أعاد الصخرة إلى مكانها ( ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) فسمعتا ، قال : فرجعتا إلى أبيهما فاستنكر سرعة مجيئهما ، فسألهما فأخبرتاه ، فقال لإحداهما : انطلقي فأدعيه فأتت ، ف ( قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ) فمشت بين يديه ، فقال لها أمشي خلفي ، فإني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحل لي أن أرى منك ما حرم الله علي ، وأرشديني الطريق ( فلما جاءه وقص عليه القصص قال : لا تخف نجوت من القوم الظالمين . قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ) قال لها أبوها : ما رأيت من قوته وأمانته ؟ فأخبرته بالأمر الذي كان ، قالت : أما قوته فإنه قلب الحجر وحده ، وكان لا يقلبه إلا النفر . وأما أمانته فقال أمشي خلفي وأرشديني الطريق لأني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحل لي منك ما حرمه الله . قيل لابن عباس : أي الأجلين قضى موسى قال : أبرهما وأوفاهما . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال : إن موسى لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال ، فإذا هو بامرأتين ، قال : ما خطبكما ؟ فحدثناه ، فأتى الحجر ، فرفعه وحده ، ثم استقى فلم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم ، فرجعت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه ، وتولى موسى إلى الظل فقال : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير . قال : ( فجائته إحداهما تمشي على استحياء ) واضعة ثوبها على وجهها ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة ( قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ) فقام معها موسى ، فقال لها : أمشي خلفي وانعتي لي الطريق ، فإني أكره أن يصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك ، فلما انتهى إلى أبيها قص عليه ، فقالت إحداهما : يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ، قال : يا بنية ما علمك بأمانته وقوته ؟ قالت : أما قوته فرفعه الحجر ولا يطيقه إلا عشرة رجال ، وأما أمانته فقال إمشي خلفي وانعتي لي الطريق فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك ، فزاده ذلك رغبة فيه ، ف ( قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ) إلى قوله ( ستجدني إن شاء الله من الصالحين ) أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت ( قال ) موسى ( ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي ) قال : نعم ، قال : ( والله على ما نقول وكيل ) فزوجه وأقام معه يكفيه ويعمل في رعاية غنمه وما يحتاج إليه وزوجه صفورا وأختها شرفا ، وهما اللتان كانتا تذودان . قال ابن كثير بعد إخراجه لطرق من هذا الحديث : إن إسناده صحيح . والسلفع من النساء الجريئة السليطة . وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ولما ورد ماء مدين ) قال : ورد الماء حيث ورد وإنه لتتراءي خضرة البقل في بطنه من الهزال . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال : خرج موسى من مصر إلى مدين وبينه وبينها ثمان ليال ، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر ، وخرج حافيا ، فما وصل إليها حتى وقع خف قدمه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا قال ( تذودان ) تحسبان غنمهما حتى ينزع الناس ويخلو لهما البئر . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عنه أيضا قال : لقد قال موسى رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير وهو أكرم خلقه عليه ، ولقد افتقر إلى شق تمرة ولقد لصق بطنه بظهره من شدة الجوع . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال : ما سأل إلا طعام . وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عنه أيضا قال : سأل فلقا من الخبر يشد بها صلبه من الجوع .