وإنما قال بهذا القول مع أن المقتول كافر حقيق بالقتل لأنه لم يكن إذ ذاك مأمورا بقتل الكفار . وقيل إن تلك
الحالة حالة كف عن القتال لكونه مأمونا عندهم ، فلم يكن له أن يغتالهم . ثم وصف الشيطان بقوله ( إنه عدو مضل
مبين أي عدو للإنسان يسعى في إضلاله ، ظاهر العداوة والإضلال . وقيل إن الإشارة بقوله " هذا " إلى عمل
المقتول لكونه كافرا مخالفا لما يريده الله . وقيل إنه إشارة إلى المقتول نفسه : يعني أنه من جند الشيطان وحزبه . ثم
طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه ( قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر ) الله ( له ) ذلك ( إنه هو
الغفور الرحيم ) ووجه استغفاره أنه لم يكن لنبي أن يقتل حتى يؤمر ، وقيل إنه طلب المغفرة من تركه للأولى كما هو
سنة المرسلين ، أو أراد إني ظلمت بقتل هذا الكافر ، لأن فرعون لو يعرف ذلك لقتلني به ، ومعنى فاغفر لي :
فاستر ذلك علي لا تطلع عليه فرعون ، وهذا خلاف الظاهر فإن موسى عليه السلام ما زال نادما على ذلك خائفا
من العقوبة بسببه : حتى إنه يوم القيامة عند طلب الناس الشفاعة منه يقول : إني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها ، كما ثبت
ذلك في حديث الشفاعة الصحيح . وقد قيل إن هذا كان قبل النبوة ، وقيل كان ذلك قبل بلوغه سن التكليف وإنه
كان إذ ذاك في اثنتي عشرة سنة ، وكل هذه التأويلات البعيدة محافظة على ما تقرر من عصمة الأنبياء ولا شك أنهم
معصومون من الكبائر ، والقتل الواقع منه لم يكن عن عمد فليس بكبيرة ، لأن الوكزة في الغالب لا تقتل . ثم لما
أجاب الله سؤاله وغفر له ما طلب منه مغفرته ( قال رب بما أنعمت علي ) هذه الباء يجوز أن تكون باء القسم
والجواب مقدر : أي أقسم بإنعامك علي لأتوبن وتكون جملة ( فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) كالتفسير للجواب
وكأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرما . ويجوز أن تكون هذه الباء هي باء السببية متعلقة بمحذوف : أي
أعصمني بسبب ما أنعمت به علي ، ويكون قوله " فلن أكون ظهيرا " مترتبا عليه ، ويكون في ذلك استعطاف لله
تعالى وتوصل إلى إنعامه بإنعامه ، و " ما " في قوله " بما أنعمت " إما موصولة أو مصدرية ، والمراد بما أنعم به عليه :
هو ما آتاه من الحكم والعلم أو بالمغفرة أو بالجميع ، وأراد بمظاهرة المجرمين : إما صحبة فرعون والانتظام في جملته في
ظاهر الأمر ، أو مظاهرته على ما فيه إثم . قال الكسائي والفراء : ليس قوله ( فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) خبرا بل
هو دعاء : أي فلا تجعلني يا رب ظهيرا لهم . قال الكسائي : وفي قراءة عبد الله " فلا تجعلني يا رب ظهيرا للمجرمين "
وقال الفراء : المعنى اللهم فلن أكون ظهيرا للمجرمين . وقال النحاس : إن جعله من باب الخبر أو في وأشبه بنسق
الكلام ( فأصبح في المدينة خائفا يترقب ) أي دخل في وقت الصباح في المدينة التي قتل فيها القبطي ، وخائفا خبر
أصبح ، ويجوز أن يكون حالا ، والخبر في المدينة ، ويترقب يجوز أن يكون خبرا ثانيا ، وأن يكون حالا ثانية ،
وأن يكون بدلا من خائفا ، ومفعول يترقب محذوف ، والمعنى : يترقب المكروه أو يترقب الفرح ( فإذا الذي
استنصره بالأمس يستصرخه ) إذا هي الفجائية والموصول مبتدأ وخبره يستصرخه : أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي
استغاثه بالأمس يقاتل قبطيا آخر أراد أن يسخره ويظلمه كما أراد القبطي الذي قد قتله موسى بالأمس ، والاستصراخ
الاستغاثة ، وهو من الصراخ ، وذلك أن المستغيث يصوت ويصرخ في طلب الغوث ، ومنه قول الشاعر :
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع * كان الجواب له قرع الظنابيب
( قال له موسى إنك لغوي مبين ) أي بين الغواية ، وذلك أنك تقاتل من لا تقدر على مقاتلته ولا تطيقه ،
وقيل إنما قال له هذه المقالة لأنه تسبب بالأمس لقتل رجل يريد اليوم أن يتسبب لقتل آخر : ( فلما أن أراد أن يبطش
بالذي هو عدو لهما ) أي يبطش بالقبطي الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي حيث لم يكن على دينهما ، وقد تقدم
فتح القدير — صفحة 164
مساهمون: الشوكاني
ص١٦٤