تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
وإنما قال بهذا القول مع أن المقتول كافر حقيق بالقتل لأنه لم يكن إذ ذاك مأمورا بقتل الكفار . وقيل إن تلك الحالة حالة كف عن القتال لكونه مأمونا عندهم ، فلم يكن له أن يغتالهم . ثم وصف الشيطان بقوله ( إنه عدو مضل مبين أي عدو للإنسان يسعى في إضلاله ، ظاهر العداوة والإضلال . وقيل إن الإشارة بقوله " هذا " إلى عمل المقتول لكونه كافرا مخالفا لما يريده الله . وقيل إنه إشارة إلى المقتول نفسه : يعني أنه من جند الشيطان وحزبه . ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه ( قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر ) الله ( له ) ذلك ( إنه هو الغفور الرحيم ) ووجه استغفاره أنه لم يكن لنبي أن يقتل حتى يؤمر ، وقيل إنه طلب المغفرة من تركه للأولى كما هو سنة المرسلين ، أو أراد إني ظلمت بقتل هذا الكافر ، لأن فرعون لو يعرف ذلك لقتلني به ، ومعنى فاغفر لي : فاستر ذلك علي لا تطلع عليه فرعون ، وهذا خلاف الظاهر فإن موسى عليه السلام ما زال نادما على ذلك خائفا من العقوبة بسببه : حتى إنه يوم القيامة عند طلب الناس الشفاعة منه يقول : إني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها ، كما ثبت ذلك في حديث الشفاعة الصحيح . وقد قيل إن هذا كان قبل النبوة ، وقيل كان ذلك قبل بلوغه سن التكليف وإنه كان إذ ذاك في اثنتي عشرة سنة ، وكل هذه التأويلات البعيدة محافظة على ما تقرر من عصمة الأنبياء ولا شك أنهم معصومون من الكبائر ، والقتل الواقع منه لم يكن عن عمد فليس بكبيرة ، لأن الوكزة في الغالب لا تقتل . ثم لما أجاب الله سؤاله وغفر له ما طلب منه مغفرته ( قال رب بما أنعمت علي ) هذه الباء يجوز أن تكون باء القسم والجواب مقدر : أي أقسم بإنعامك علي لأتوبن وتكون جملة ( فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) كالتفسير للجواب وكأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرما . ويجوز أن تكون هذه الباء هي باء السببية متعلقة بمحذوف : أي أعصمني بسبب ما أنعمت به علي ، ويكون قوله " فلن أكون ظهيرا " مترتبا عليه ، ويكون في ذلك استعطاف لله تعالى وتوصل إلى إنعامه بإنعامه ، و " ما " في قوله " بما أنعمت " إما موصولة أو مصدرية ، والمراد بما أنعم به عليه : هو ما آتاه من الحكم والعلم أو بالمغفرة أو بالجميع ، وأراد بمظاهرة المجرمين : إما صحبة فرعون والانتظام في جملته في ظاهر الأمر ، أو مظاهرته على ما فيه إثم . قال الكسائي والفراء : ليس قوله ( فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) خبرا بل هو دعاء : أي فلا تجعلني يا رب ظهيرا لهم . قال الكسائي : وفي قراءة عبد الله " فلا تجعلني يا رب ظهيرا للمجرمين " وقال الفراء : المعنى اللهم فلن أكون ظهيرا للمجرمين . وقال النحاس : إن جعله من باب الخبر أو في وأشبه بنسق الكلام ( فأصبح في المدينة خائفا يترقب ) أي دخل في وقت الصباح في المدينة التي قتل فيها القبطي ، وخائفا خبر أصبح ، ويجوز أن يكون حالا ، والخبر في المدينة ، ويترقب يجوز أن يكون خبرا ثانيا ، وأن يكون حالا ثانية ، وأن يكون بدلا من خائفا ، ومفعول يترقب محذوف ، والمعنى : يترقب المكروه أو يترقب الفرح ( فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ) إذا هي الفجائية والموصول مبتدأ وخبره يستصرخه : أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي استغاثه بالأمس يقاتل قبطيا آخر أراد أن يسخره ويظلمه كما أراد القبطي الذي قد قتله موسى بالأمس ، والاستصراخ الاستغاثة ، وهو من الصراخ ، وذلك أن المستغيث يصوت ويصرخ في طلب الغوث ، ومنه قول الشاعر : كنا إذا ما أتانا صارخ فزع * كان الجواب له قرع الظنابيب ( قال له موسى إنك لغوي مبين ) أي بين الغواية ، وذلك أنك تقاتل من لا تقدر على مقاتلته ولا تطيقه ، وقيل إنما قال له هذه المقالة لأنه تسبب بالأمس لقتل رجل يريد اليوم أن يتسبب لقتل آخر : ( فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ) أي يبطش بالقبطي الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي حيث لم يكن على دينهما ، وقد تقدم