ثمّ دخل على عائشة وقد بلغها أنّه ذكر الحسين وأصحابه ، فقال : لأقتلنّهم إن لم يبايعوا فشكاهم إليها ، فوعظته وقالت له : بلغني أنّك تتهدّدهم بالقتل ؟ ! فقال : يا أمّ المؤمنين ! هم أعزّ من ذلك ، ولكنّي بايعت ليزيد وبايعه غيرهم ، أفترين أن أنقض بيعة قد تمّت ؟ ! قالت : فارفق بهم فإنّهم يصيرون إلى ما تحبّ إن شاء اللّه . قال : أفعل . وكان في قولها له : ما يؤمنك أن اقعد لك رجلا يقتلك وقد فعلت بأخي ما فعلت - تعني أخاها محمّدا - ؟ فقال لها : كلّا يا امّ المؤمنين إنّي في بيت أمن . قالت : أجل . ومكث بالمدينة ما شاء اللّه .
ثمّ خرج إلى مكّة ، فلقيه الناس ، فقال أولئك النفر : نتلقّاه فلعلّه قد ندم على ما كان منه . فلقوه ببطن مرّ « 1 » ، فكان أوّل من لقيه الحسين ، فقال له معاوية :
مرحبا وأهلا يا بن رسول اللّه وسيّد شباب المسلمين ! فأمر له بدابّة فركب وسايره . ثمّ فعل بالباقين مثل ذلك ، وأقبل يسايرهم لا يسير معه غيرهم حتّى دخل مكّة ، فكانوا أوّل داخل وآخر خارج ، ولا يمضي يوم إلّا ولهم صلة ، ولا يذكر لهم شيئا ، حتّى قضى نسكه ، وحمل أثقاله ، وقرب مسيره ، فقال بعض أولئك النفر لبعض : لا تخدعوا فما صنع بكم هذا لحبّكم وما صنعه إلّا لما يريد فأعدّوا له جوابا . فاتّفقوا على أن يكون المخاطب له ابن الزبير .
فأحضرهم معاوية وقال : قد علمتم سيرتي فيكم ، وصلتي لأرحامكم ، وحملي ما كان منكم ، ويزيد أخوكم وابن عمّكم ، وأردت أن تقدّموه باسم الخلافة ، وتكونوا أنتم تعزلون وتؤمرون وتجبون المال وتقسمونه ، لا يعارضكم في شيء من ذلك . فسكتوا . فقال : ألا تجيبون ؟ ! مرّتين . ثمّ أقبل
هامش
( 1 ) - [ « بطن مرّ » : موضع قريب من مكّة للسالك من طريق الشام . وبطن مرّ موضع في « مرّ الظهران » ، ويقال له اليوم « وادي فاطمة » ؛ انظر مجمع البحرين ، مادّة مرّ ؛ كلمة التقوى 3 / 237 ؛ فرهنگ فقه فارسي 2 / 115 ] .