تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاستصحاب — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
وبالجملة : القرعة لدى العقلاء أحد طرق فصل الخصومة ، لكن في مورد لا يكون ترجيح في البين ، ولا طريق لإحراز الواقع . ويشهد لما ذكرنا : مضافا إلى وضوحه قضية مساهمة أصحاب السفينة التي فيها يونس ، فعلى نقل كانت المقارعة من قبيل الأول ، والعثور على العبد الآبق ( 1 ) ، وعلى نقل كانت من قبيل الثاني ، لأنهم أشرفوا على الغرق ، فرأوا طرح واحد منهم لنجاة الباقين ( 2 ) ، وهذا أقرب إلى الاعتبار ، ومعلوم أن مساهمتهم لم تكن لدليل شرعي ، بل لبناء عملي عقلائي ، بعد عدم الترجيح بينهم بنظرهم . وقضية مساهمة أحبار بيت المقدس لتكفل مريم عليها السلام ، كما أخبر بها الله تعالى إذ قال : * ( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) * ( 3 ) تدل على أن العقلاء بحسب ارتكازهم يتشبثون بالقرعة عند الاختصام وعدم الترجيح ، وهذه من قبيل الثاني ، كما أن غالب المقارعات العقلائية لعلها من هذا القبيل ، كالمقارعات المتداولة في هذا العصر . وكذا يشهد لتعارفها قضية مقارعة بني يعقوب ( 4 ) ، ومقارعة رسول الله صلى الله عليه وآله قريشا في بناء البيت ( 5 ) ، بل مقارعته بين نسائه ( 6 ) ، فإن الظاهر أنها كانت من جهة الأمر العقلائي ، لا الحكم الشرعي . وبالجملة : لا إشكال في معروفية القرعة لدى العقلاء من زمن قديم ، كما أنه لا إشكال في أنها لا تكون عندهم في كل مشتبه ومجهول ، بل تتداول لدى التنازع أو تزاحم الحقوق فقط .
هامش
1 - مجمع البيان 7 : 716 . 2 - مجمع البيان 7 : 716 ، تفسير البرهان 4 : 36 / 3 . 3 - سورة آل عمران 3 : 44 . 4 - تقدم تخريجها في صفحة 391 . 5 و 6 - تقدم تخريجهما في صفحة 390 .