كان في حاجة إلى اصطناع الجنان ، وعنده مثل ) خارود ) الجنة الطبيعية الرائعة .
وكم لخارود من نظائر في ديار الصباح .
وفجأة انطلق من بين الجالسين قريبا منا صوت رقيق عذب ، ولكنه في
الوقت نفسه هدار ، انطلق من فوق صخرة شماء ينشد شعراء فارسيا إنشادا استفزه له
ما في هذا الذي فيه من روض وجبل وواد وينبوع ، اجتمعت فكان منها أعذب ما
تحلم به العين من مرائي الوجود ، وكان يعوزها التعبير الصوتي ، فانطلق ينشد
الشعر إنشادا هو قطعة من هذا الجمال الأخاذ . . .
ولكنه لم ينشده غزليا كما قد يفعل من تستفزهم مثل هذه الطبيعة الوهاجة ،
ولم يردده منبعثا عن شوق لحبيب غائب وتلهفا على لقاء مرغوب .
لم أكن أفهم ما يقول ، ولكنني كنت أفهم كلمة واحدة من كل ما كان يرتل
هذا المرتل الغريد ، هذه الكلمة أفهمتني كل ما كان يجب أن أفهمهه من مضمون هذا
الشعر ، كنت أفهم كلمة ( علي ) ! .
فلم أملك الدمع أن يفيض من عيني وأنا هنا في هذا المنتأى البعيد ، وفوق
هذه الرواسي الشامخة ، وعلى هذه المشارف الباذخة أسمع اسم علي تتجاوب به السباسب والانجاد ، وتتنادى به الذرى والوهادت .
إلى اللقاء
تلاتر ثم خارود هما منتهى مجال المملكة ( الصباحية النزارية ) ، إذا إننا
بوصولنا إليهما نكون بلغنا الحدود الشمالية الغريبة لتلك المملكة ، وما بعد خارود
وجبالها تبدأ حدود لديار أخرى تعرف اليوم باسم ( أشكور ) .
على الينابيع الفوارة في قلب القمة العالية وفوق الوادي الغضيض الشجير
هنا في خارود نغيب في مطاوي الزمن البعيد متنقلين من عام إلى عام ومن قرن إلى
قرن ، ومن رجال إلى رجال ، ومن قوم إلى قوم
الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي — صفحة 204
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٠٤