بدراجتين ناريتين خارجتين من القرية . ثم دخلنا القرية عابرين إليها على جسر
نهر . وسرنا في الشجر المتكاتف ، فأبصرنا في مداخل القرية حمارتين داخلتين
إلها .
دراجتان خارجتان ، وحمارتان داخلتان ! أحدث الحديث وأقدم القديم .
على أن القدم والحداثة هما أقل من القيل ظهورا في هذا المشهد بين
وسيلتي النقل : الدراجة والحمارة .
إن القدم والحداثة يبدونان في هذا الموقع وسيظلان يبدو أن في كل ما
سنجوزه من مواقع - إنهما يبدوان بمظهرهما المذهل ، متمثلا بهذه الفجوة
الواسعة بين المكان والزمان .
إن المكان لا يزال على ما خلفه الإسماعيليون النزاريون منذ أكثر من
سبعمائة سنة : بيوت طينية واطئة شاحبة ، في قرية بدائية متضائلة خابية .
والزمان هو العقد الأخير من القرن العشرين ! .
خرجنا من القرية مصعدين في جبال هي بلونها غير الجبال التي عرفناها فيما
وراء ( راز ميان ) ، فإذا تنوعت ألوان الجبال هناك من ابيضاض إلى اصفرار إلى
اسمرار ، فإنها هنا بيضاء تتخللها الصخور السوداء ، وفجاء أشرفنا على غابات
بعيدة ، ولم تلبث الصخور هنا أن عادت بيضاء ابيضاض الجبال .
ابيضاض واسمرار واصفرار نعلل أنفسنا بها هنا في هذه الدروب الموحشة .
تراب أبيض وحجر أسود وصعيد أصفر ومدر أسمر . هذا ما يشغلنا هنا ،
وهذا ما نحدق فيه في هذه الرواسي الخشنة .
أما الرفاق في بيروت فإن ما يشغلهم فيها هو ما يشغلنا هنا من احمرار
وابيضاض واسمرار واسوداد ، فكلنا بشر تزدهيهم الألوان ويستهويهم تموجا .
نحن هنا يشغلنا اسمرار الجماد وابيضاضه واسوداده واحمراره ، نتحرك إليه
وهو ساكن ، ونشرف عليه وهو هامد .
الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي — صفحة 201
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٠١