( 24 ) تنبيه
اعلم أن هذه الأشياء ليس سبيل القول بها والشهادة لها إنما هي ظنون إمكانية صير إليها من أمور عقلية فقط وإن كان ذلك أمرا معتمدا لو كان ولكنها تجارب لما ثبتت طلبت أسبابها ومن السعادات المتفقة لمجيء الاستبصار أن يعرض لهم هذه أحوال في أنفسهم أو يشاهدوها مرارا متوالية في غيرهم حتى يكون ذلك تجربة في إثبات أمر عجيب له كون وحجة وداعيا إلى طلب سببه فإذا اتضح جسمت الفائدة واطمأنت النفس إلى وجود تلك الأسباب وخضع الوهم فلم يعارض العقل فيما يربأ ربأة منها وذلك من أجسم الفوائد وأعظم المهمات ثم إني لو اقتصصت جزئيات هذا الباب فيما شاهدناه وفيما حكاه من صدقناه طال الكلام ومن لم يصدق الجملة هان عليه أن لا يصدق أيضا التفصيل
أقول يقال ربأت القوم ربأ أي رقبتهم وذلك إذا كنت لهم طليعة فوق شرف وهذه استعارة لطيفة للعقل المطلع على الغيب بالقياس إلى سائر القوى وباقي الفصل ظاهر فهذا آخر كلامه في كيفية الإخبار عن الغيب
( 25 ) تنبيه
ولعلك قد يبلغك من العارفين أخبار تكاد تأتي بقلب العادة فتبادر إلى التكذيب وذلك مثل ما يقال إن عارفا استسقى للناس فسقوا أو استشفى لهم فشفوا أو دعا عليهم فخسف بهم وزلزلوا أو هلكوا بوجه آخر ودعا لهم فصرف عنهم الوباء والموتان والسيل والطوفان أو خشع لبعضهم سبع أو لم ينفر عنهم طائر أو مثل ذلك مما لا تؤخذ في طريق الممتنع الصريح فتوقف ولا تعجل فإن لأمثال هذه أسبابا في أسرار الطبيعة وربما يتأتى لي أن أقص بعضها عليك
أقول لما فرغ عن بيان الآيات الثلاث المشهورة التي تنسب إلى العارفين وغيرهم من الأولياء أراد أن ينبه على أسباب سائر الأفعال المرسومة بخوارق العادة فذكرها في هذا الفصل وذكر أسبابها في الفصل الذي يتلوه وإنما قال يكاد تأتى بقلب العادة ولم يقل تأتى بقلب للعادة لأن تلك الأفعال ليست عند من يقف على عللها الموجبة إياها بخارقة للعادة إنما هي خارقة بالقياس إلى من لا يعرف تلك العلل والموتان على وزن الطوفان موت يقع
الإشارات والتنبيهات — صفحة 413
مساهمون: أبو علي سينا
ص٤١٣