وأيضا القول بالعقاب على المعاصي لا يستقيم على أصولكم فإن عقاب العاصي عندكم هو ميل نفسه المشتاقة إلى الدنيا مع فواتها عنها ويلزمكم أن نسيان العاصي لمعصيته يقتضي سقوط عقابه والجواب على أصولهم أما عن الأول فبأن نقول استناد الأفعال الطبيعية إلى غاياتها الواجبة مع القول بالعناية الإلهية على الوجه المذكور كاف في إثبات إنية تلك الأفعال ولذلك يعللون الأفعال بغاياتها كتعريض بعض الأسنان مثلا لصلاحية المضغ التي هي غاياتها فلو لا كون تلك الغاية مقتضية لوجود الفعل لما صح التعليل بها وأما قوله الأصلح ليس بواجب فنقول علية الأصلح بالقياس إلى الكل غير الأصلح بالقياس إلى البعض والأول واجب دون الثاني وليس كون الناس مجبولين على الخير من ذلك القبيل كما مر وأما عن الثاني فبأن نقول الأمور الغريبة التي منها المعجزات قولية وفعلية كما مر والمعجزات الخاصة بالأنبياء ليست بالفعلية المحضة فإذن اقتران الفعلية بالقولية خاص بهم وهو دال على صدقهم وأما عن الثالث فبأن نقول مضافا إلى ما مر من القول في العلم والقدرة أن مشاهدة المعجزات التي هي آثار لنفوس الأنبياء دالة على كمال تلك النفوس فهي مقتضية لتصديق أقوالهم وأما عن الرابع فبأن نقول ارتكاب المعاصي يقتضي وجود ملكة راسخة في النفس هي المقتضية لتعذبها ونسيان الفعل لا يكون مزيلا لتلك الملكة فلا تكون مقتضية لسقوط العقاب ثم اعلم أن جميع ما ذكره الشيخ من أمور الشريعة والنبوة ليست مما لا يمكن أن يعيش الإنسان إلا به إنما هي أمور لا يكمل النظام المؤدي إلى صلاح حال العموم في المعاش والمعاد إلا بها والإنسان يكفيه في أن يعيش نوع من السياسة لحفظ اجتماعهم الضروري وإن كان ذلك النوع مناطا يتغلب أو ما يجري مجراه والدليل على ذلك تعيش مكان أطراف العمارة بالسياسات الضرورية
الإشارات والتنبيهات — صفحة 374
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٧٤