الإنسان بالطبع محتاج في تعيشه إلى اجتماع مؤد إلى صلاح حاله وهو المراد من قولهم الإنسان مدني بالطبع والتمدن في اصطلاحهم هو هذا الاجتماع فهذه قاعدة ثم نقول واجتماع الناس على التعاون لا ينتظم إلا إذا كان بينهم معاملة وعدل لأن كل واحد يشتهي ما يحتاج إليه ويغضب على من يزاحمه في ذلك وتدعوه شهوته وغضبه إلى الجور على غيره فيقع من ذلك الهرج ويختل أمر الاجتماع أما إذا كان معاملة وعدل متفق عليهما لم يكن كذلك فإذن لا بد منهما والمعاملة والعدل لا يتناولان الجزئيات الغير المحصورة إلا إذا كانت لها قوانين كلية وهي الشرع فإذن لا بد من شريعة والشريعة في اللغة مورد الشاربة وإنما سمي المعنى المذكور بها لاستواء الجماعة في الانتفاع منه وهذه قاعدة ثانية ثم نقول والشرع لا بد له من واضع يقنن تلك القوانين ويقررها على الوجه الذي ينبغي وهو الشارع ثم إن الناس لو تنازعوا في وضع الشرع لوقع الهرج المحذور منه فإذن يجب أن يمتاز الشارع منهم باستحقاق الطاعة ليطيعه الباقون في قبول الشريعة واستحقاق الطاعة إنما يتقرر بآيات تدل على كون تلك الشريعة من عند ربه وتلك الآيات هي معجزاته وهي إما قولية وإما فعلية والخواص للقولية أطوع والعوام للفعلية أطوع ولا تتم الفعلية مجردة عن القولية لأن النبوة والإعجاز لا يحصلان من غير دعوة إلى خير فإذن لا بد من شارع هو نبي ذو معجزة وهذه قاعدة ثالثة ثم إن العوام وضعفاء العقول يستحقرون اختلال العدل النافع في أمور معاشهم بحسب النوع عند استيلاء الشوق عليهم إلى ما يحتاجون إليه بحسب الشخص فيقدمون على مخالفة الشرع وإذا كان للمطيع والعاصي ثواب وعقاب أخرويان يحملهم الرجاء والخوف على الطاعة وترك المعصية فالشريعة لا تنتظم بدون ذلك انتظامها به فإذن وجب أن يكون للمحسن وللمسيء جزاء من عند الإله القدير على مجازاتهم الخبير بما يبدونه أو يخفونه من أفكارهم وأقوالهم وأفعالهم ووجب أن تكون معرفة المجازي والشارع واجبة على الممتثلين للشريعة في الشريعة والمعرفة العامية قلما تكون يقينية فلا تكون ثابتة فوجب أن يكون معها سبب حافظ لها وهو التذكار المقرون بالتكرار والمشتمل عليهما
الإشارات والتنبيهات — صفحة 372
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٧٢