تنازع العقل ولا تزاحم السر حالة المشاهدة فيخلص العقل إلى ذلك العالم ويكون جميع ما تحته من الفروع والقوى منخرطة معه في سلك التوجه إلى ذلك الجانب
( 4 ) إشارة
لما لم يكن الإنسان بحيث يستقل وحده بأمر نفسه لا بمشاركة آخر من بني جنسه وبمعاوضة ومعارضة تجريان بينهما يفرغ كل واحد منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير وكان مما يتعسر إن أمكن وجب أن يكون بين الناس معاملة وعدل يحفظه شرع يفرضه شارع متميز باستحقاق الطاعة لاختصاصه بآيات تدل على أنها من عند ربه ووجب أن يكون للمحسن والمسيء جزاء من عند القدير الخبير فوجب معرفة المجازي والشارع ومع المعرفة سبب حافظ للمعرفة ففرضت عليهم العبادة المذكرة للمعبود وكررت عليهم ليستحفظ التذكير بالتكرير حتى استمرت الدعوة إلى العدل المقيم لحياة النوع ثم زيد لمستعمليها بعد النفع العظيم في الدنيا الأجر الجزيل في الأخرى ثم زيد للعارفين من مستعمليها المنفعة التي خصوا بها فيما هم مولون وجوههم شطره فانظر إلى الحكمة ثم إلى الرحمة والنعمة تلحظ جنابا تبهرك عجائبه ثم أقم واستقم
لما ذكر في الفصل المتقدم أن الزهد والعبادة إنما يصدران من غير العارف لاكتساب الأجر والثواب في الآخرة أراد أن يشير إلى إثبات الأجر والثواب المذكورين فأثبت النبوة والشريعة وما يتعلق بهما على طريقة الحكماء لأنه متفرع عليهما وإثبات ذلك مبني على قواعد وتقريرها أن نقول الإنسان لا يستقل وحده بأمور معاشه لأنه يحتاج إلى غذاء ولباس ومسكن وسلاح لنفسه ولمن يعوله من أولاده الصغار وغيرهم وكلها صناعية لا يمكن أن يرتبها صانع واحد إلا في مدة لا يمكن أن يعيش تلك المدة فاقدا إياها أو يتعسر إن أمكن لكنها تتيسر لجماعة يتعاونون ويتشاركون في تحصيلها يفرغ كل واحد منهم لصاحبه عن بعض ذلك فيتم بمعاوضة وهي أن يعمل كل واحد مثل ما يعمله الآخر ومعاوضة وهي أن يعطي كل واحد صاحبه من عمله بإزاء ما يأخذه منه من عمله فإذن
الإشارات والتنبيهات — صفحة 371
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٧١