تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارات والتنبيهات — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
( 5 ) إشارة العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره ولا يؤثر شيئا على عرفانه وتعبده له فقط ولأنه مستحق للعباد ولأنها نسبة شريفة إليه لا لرغبة أو رهبة وإن كانتا فيكون المرعوب فيه أو المرهوب عنه هو الداعي وفيه المطلوب ويكون الحق ليس الغاية بل الواسطة إلى شيء غيره هو الغاية وهو المطلوب دونه لما ذكر غرض العارف وغير العارف من الزهد والعبادة وأثبت مبادئ غرض غيره أعني الثواب والعقاب أشار في هذا الفصل إلى غرض العارف فيما يقصده فنقول لعارف الكمال الحقيقي حالتان بالقياس إليه إحداهما لنفسه خاصة وهي محبته لذلك الكمال والثانية لنفسه وبدنه جميعا وهي حركته في طلب القربة إليه والشيخ عبر عن الأول بالإرادة وعن الثاني بالتعبد وذكر أن إرادة العارف وتعبده يتعلقان بالحق الأول جل ذكره لذاته ولا يتعلقان بغيره لذات ذلك الغير بل إن تعلقا بغير الحق تعلقا لأجل الحق أيضا فقوله العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره بيان لتعلق إراداته بالحق لذاته وقوله ولا يؤثر شيئا على عرفانه أي لا يؤثر شيئا غير الحق على عرفانه فإن الحق مؤثر على عرفانه لأن العرفان ليس بمؤثر لذاته عند العارف على ما صرح به فيما يجيء وهو قوله من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني وكل ما هو مؤثر وليس بمؤثر لذاته فهو مؤثر لا محالة لغيره فالعرفان مؤثر لغيره وذلك الغير هو الحق لا غير فإذن الحق مؤثر على العرفان وإنما اختص العارف بأنه لا يؤثر شيئا غير الحق على عرفانه لأن غير العارف يؤثر نيل الثواب والاحتراز عن العقاب على العرفان فإنه يريد العرفان لأجلهما أما العارف فلا يؤثر شيئا عليه إلا الحق الذي هو فقط مؤثر لذاته بالقياس إليه وقوله وتعبده له فقط إشارة إلى تعلق عبادة العارف أيضا بالحق فقط فإن قيل هذا يناقض ما ذكره فيما مر وهو أن عبادة العارف رياضة لقواه ليجرها إلى جناب الحق وهو غيره فإن جر القوي إلى جناب الحق ليس هو الحق ذاته قلنا مراده ليس أن العارف لا يقصد في تعبده غير الحق مطلقا بل هو أن العارف