تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨

قوله : « واستواء الحالات خيرٌ عندك » يعني أن يرى أنّ ترك ما زهد فيه وأخذه متساويان ، فيستوي عنده الفقر والغنى ، ولم يبق في قلبه الرغبة فيها ، ولا الزهد ولا الميل ولا الترك ولا حبّ الدُّنيا ولا بغضها ، ولا يلتفت إلى وجودها ولا عدمها . وبتعبير مولى الموحِّدين عليّ أمير المؤمنين عليه السلام : « الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن ، قال الله سبحانه : * ( لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ ) * ( 1 ) ومن لم يأس على الماضي ، ولم يفرح بالآتي ، فقد أخذ الزهد بطرفيه » ( 2 ) . قوله : « والذهاب عن شهود الاكتساب . . . » معناه : أنّ من استصغر الدُّنيا بقلبه ، وتساوى وجودها وعدمها في حقّه ، لم يرَ أنّه اكتسب بتركها درجة عند الله البتّة . وفيه معنىً آخر ، والمقصود أنّه يشاهد تصرّف الله في العطاء والمنع ، والأخذ والترك ، فلا يرى الزاهد أنّه ترك شيئاً ولا أخذ شيئاً ، لأنّه ناظر بعين الحقيقة إلى وحدانيّة الفاعل الحقّ ، فكيف يرى الاكتساب بعد أن نظر الأشياء بعين الجمع ، وسلك في وادي الحقائق بالحقّ . فبهذه الثلاثة أشياء يصحّ له الزهد في الزهد ، وذلك هو زهد الخاصّة ( 3 ) .

هامش
( 1 ) الحديد : 23 .
( 2 ) غرر الحكم ودرر الكلم ( حكَم أمير المؤمنين ) ، مصدر سابق ، الرقم : 439 .
( 3 ) ينظر : شرح التلمساني على منازل السائرين : ص 142 ، وشرح القاساني على منازل السائرين ، مصدر سابق : ص 123 .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 358 | الشيخ خليل رزق / محمد البدري