الثانية : زهد الراجين
أن يزهد رغبةً في ثواب الله ونعيمه واللّذات الموعودة في جنّته من الحور والقصور وغيرها . وهذا هو زهد الراجين ، لأنّ هؤلاء ما تركوا الدُّنيا للخلاص من الألم ، بل لأنّهم طمعوا في النعيم الدائم الذي لا آخر له .
الثالثة : زهد المحبّين
وهي الدرجة العليا ، بحيث لا يكون له رغبة إلاّ في الله وفي لقائه ، فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ، ولا إلى اللذّات لينالها ويظفر بها ، بل هو مستغرق الهمّ بالله تعالى ، فصار همّه همّاً واحداً . وهذا هو الموحِّد الحقيقي الذي لا يطلب غير الله تعالى ، وهم العارفون ، لأنّ من عرف الله وعرف لذّة النظر إلى وجهه الكريم لا يؤثر عليها غيرها .
قال ابن سينا في مقامات العارفين : « الزهد عند غير العارف ، معاملة ما كأنّه يشتري بمتاع الدُّنيا متاع الآخرة ، وعند العارف تنزّهٌ ما عمّا يشغل سرّه عن الحقّ ، وتكبّر على كلّ شيء غير الحقّ . والعبادة عند غير العارف معاملة ما كأنّه يعمل في الدُّنيا لأُجرة يأخذها في الآخرة هي الأجر والثواب . وعند العارف رياضةٌ ما لهممه وقوى نفسه المتوهّمة والمتخيّلة ليجرّها بالتعويد عن جناب الغرور إلى جناب الحقّ ، فتصير مسالمة للسرّ الباطن حينما يستجلي الحقّ لا ينازعه فيخلص السرّ إلى الشروق الساطع ، ويصير ذلك مَلَكة مستقرّة ، كلّما شاء السرّ اطّلع إلى نور الحقّ غير مزاحم من الهمّ ، بل مع تشييع منها