وفيما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « إنّ معرفة عين الشاهد قبل صفته ، ومعرفة صفة الغائب قبل عينه » ( 1 ) . إذن فمعرفتنا بالله تعالى هل هي معرفة الصفة قبل العين ؟ أم العين قبل الصفة ؟ فهنا المنهج الفلسفي المشائي يرى بأنّ معرفة الصفة تكون قبل العين ، وأمّا المنهج العرفاني فإنّه يرى بأنّ المفروض أن تكون معرفة العين قبل معرفة الصفة . وتوضيح هذه الحقيقة هي أن يُقال : إنّ حقيقة كلّ شيء - كائنة ما كانت - هي عينها الموجودة في الخارج ، فحقيقة زيد مثلاً هي هذه الحقيقة الإنسانيّة الموجودة في الخارج ، وهو الذي يتميّز بنفسه عن كلّ شيء ولا يختلط بغيره ولا يشتبه شيء من أمره هناك - أي في الواقع الخارجي - مع من سواه . ثمّ إنّا ننتزع منه معاني ناقلين إيّاها إلى أذهاننا نتعرّف بها حال الأشياء ونتفكّر بها في أمرها ، كمعاني الإنسان وطويل القامة والشابّ وأبيض اللون وغير ذلك ، وهي معان كلّية إذا اجتمعت وانضمّت أفادت نوعاً من التميّز الذهني نقنع به ، وهذه المعاني التي ننالها ونأخذها من العين الخارجيّة هي آثار الروابط التي بها ترتبط بنا تلك العين الخارجيّة نوعاً من الارتباط والاتّصال ، كما أنّ زيداً مثلاً يرتبط ببصرنا بشكله ولونه ، ويرتبط بسمعنا بصوته وكلامه ، ويرتبط بأكفّنا ببشرته ، فنعقل منه صفة طول القامة والتكلّم ولين الجلد ونحو ذلك .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 156
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص١٥٦
هامش
( 1 ) تحف العقول عن آل الرسول ، ألّفه الشيخ الجليل الثقة الأقدم أبو محمد الحسن بن علي بن شعبة الحرّاني ، مؤسسة النشر الإسلامي - جماعة المدرّسين ، قم ، ص 325 .