تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
فلزيد مثلاً أنواع من الظهور لنا تنتقل بنحو إلينا ، وهي المسمّاة بالصفات ، وأمّا عين زيد ووجود ذاته فلا تنتقل إلى أفهامنا بوجه ، ولا تتجافى عن مكانه ولا طريق إلى نيله ، إلاّ أن نشهد عينه الخارجيّة بعينها ، ولا نعقل منها في أذهاننا إلاّ الأوصاف الكلّية . ومن هذا البيان يظهر أنّا لو شاهدنا عين زيد مثلاً في الخارج ووجدناه بعينه بوجه مشهوداً ، فهو المعروف الذي ميّزناه حقيقة عن غيره من الأشياء ، ووحّدناه واقعاً من غير أن يشتبه بغيره ، ثمّ إذا عرفنا صفاته واحدة بعد اُخرى استكملنا معرفته والعلم بأحواله . وأمّا إذا لم نجده ولم نعرفه بنحو المشاهدة والحضور ، وتوسّلنا إلى معرفته بالصفات لم نعرف منه إلاّ أموراً كلّية لا توجب له تميّزاً عن غيره ولا توحيداً في نفسه ، كما لو لم نرَ مثلاً زيداً بعينه ، وإنّما عرفناه بأنّه إنسان أبيض اللون ، طويل القامة ، حسن المحاضرة ، بقي على الاشتراك حتّى نجده بعينه ثمّ نطبّق عليه ما نعرفه من صفاته . وهذا معنى قوله عليه السلام : « إنّ معرفة عين الشاهد قبل صفته ، ومعرفة صفة الغائب قبل عينه » . ومن هنا يتبيّن أيضاً أنّ توحيد الله سبحانه حقّ توحيده أن يعرف بعينه أوّلاً ، ثمّ تُعرف صفاته لتكميل الإيمان به ، لا أن يعرف بصفاته وأفعاله فلا يستوفى حقّ توحيده . وهو تعالى الغنيّ عن كلّ شيء ، القائم به كلّ شيء ، فصفاته قائمة به ، وجميع الأشياء من بركات صفاته من حياة وعلم وقدرة ، وخلق ورزق وإحياء وتقدير وهداية وتوفيق ونحو ذلك . فالجميع قائم به مملوكٌ له محتاجٌ إليه من كلّ جهة .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 157 | الشيخ خليل رزق / محمد البدري