فإن قلت : ما فائدة " من " في قوله - ومن بيننا وبينك حجاب - وأجاب بأن فائدتها الدلالة على أن من جهتهم ابتدأ
الحجاب ومن جهته أيضا ابتدأ حجاب ، فيلزم أن المسافة المتوسطة بينهما مملؤة بالحجاب لافراغ فيها ، ولولا
ذكر " من " فيها لكان المعنى : على أن في المسافة بينهما حجابا فقط اه كلامه . قلت : لا ينفك المعنى بدخول من عما
كان عليه قبل ، ولو كان الأمر كما ذكر لكانت من مقدرة مع بين الثانية لأنه جعلها مفيدة للابتداء في الثانية كما
هي مفيدة للابتداء في الأولى فيكون التقدير إذا : ومن بيننا وبينك حجاب ، وهذا يخل بمعنى بين إخلالا بينا
فإنها تأبى تكرار العامل معها حتى لو قال القائل : جلست بين زيد وجلست بين عمرو ، لم يكن مستقيما لأن تكرار
العامل يصيرها داخلة على مفرد فقط ويقطعه عن قرينه المتقدم ، ومن شأنها الدخول على متعدد لأن في ضمن معناها
التوسط ، وزاد الزمخشري على هذا فجعل بين الثانية غير الأولى ، لأنه جعل الأولى بجهتهم والثانية بجهته ، وليس
الأمر كما ظنه بل بين الأولى هي الثانية بعينها وهى عبارة عن الجهة المتوسطة بين المضافين ، وتكرارها إنما كان
لأن المعطوف مضمر محفوظ فوجب تكرار حافظه وهو بين ، والدليل على هذا أنه لا تفاوت باتفاق بين أن تقول
جلست بين زيد وعمرو وبين أن تقول جلست بين زيد وبين عمرو ، وإنما كان ذكرها مع الظاهر جوازا ومع
المضمر وجوبا لما بيناه ، فإذا وضح ذلك فالظاهر والله أعلم أن موقع من ههنا كموقعها في قوله تعالى - وجعلنا من
بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا - وذلك للإشعار بأن الجهة المتوسطة مثلا بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام
مبدأ الحجاب لاغير ، ووجود من قريب من عدمها ، ألا ترى إلى آخر هذه الآية كيف لم يستعمل فيها من وهى
قوله تعالى - وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن
يفقهوه وفي آذانهم وقرا - وكلام الزمخشري هذا إذا امتحنته بالتحقيق الذي ذكرناه تبين ضعفه ، والله الموفق .
وفي هذه الآية وأختها من المبالغة والبلاغة مالا يليق أن ينتظم إلا في درر الكتاب العزيز ، فإنها اشتملت على ذكر
حجب ثلاثة متوالية كل واحد منها كاف في فنه : فأولها الحجاب الحائل الخارج ، ويليه حجاب الصمم ،
وأقصاها الحجاب الذي أكن القلب والعياذ بالله ، فلم تدع هذه الآية حجابا مرتخيا إلا أسبلته ، ولم تبق لهؤلاء
الأشقياء مطمعا ولا صريخا إلا استلبته ، فنسأل الله كفايته .
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 442
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٤٤٢