بعض الذي يعدكم . قال : وإنما ذكر بعض مع تقدير أنه نبي صادق ، والنبي صادق في جميع ما يعد به لأنه سلك
معهم طريق المناصحة لهم والمداراة ، فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم وأدخل في تصديقهم له ليسمعوا منه ولا
يردوا عليه صحته ، وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد ولكنه أردفه - يصبكم بعض
الذي يعدكم - ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وأثنى عليه فضلا عن أن
يكون متعصبا له . قال : وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل اه كلامه . قلت : لقد أحسن الفهم والتفطن
لأسرار هذا القول ، ويناسب تقديم الكاذب على الصادق هنا قوله تعالى - وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد
من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين - فقدم الشاهد أمارة
صدقها على أمارة صدق يوسف ، وإن كان الصادق هو يوسف دونها لرفع التهمة وإبعاد الظن وإدلالا بأن الحق
معه ولا يضره التأخير لهذه الفائدة . وقريب من هذا التصرف لإبعاد التهمة ما في قصة يوسف مع أخيه ، إذ بدأ
بأوعيتهم قبل وعاء أخيه حتى قيل إنه لما انتهى إليه قال : اللهم ما سرق هذا ولا هو بوجه سارق ، فاطمأنت
أنفسهم وانزاحت التهمة عن يوسف أن يكون قصد ذلك فقالوا : والله لنفتشنه فاستخرجها من وعائه . قال : وقد
قيل إن ما لقيه أبو بكر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم أشد مما لقيه مؤمن آل فرعون ، ولقد طاف عليه
الصلاة والسلام بالبيت فلقوه فأخذوا بمجامع ردائه وقالوا : أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا ؟ فقال عليه
الصلاة والسلام : أنا ذلك ، فجاء أبو بكر فالتزمه وقال - أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من
ربكم - رافعا صوته وعيناه تسفحان حتى أرسلوه . وعن جعفر قال : إن مؤمن آل فرعون قال ذلك سرا وقاله
أبو بكر جهرا . قال : وقال مؤمن آل فرعون - فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا - ليعلمهم أنه يساهمهم فيه
فيتحققوا نصحه لهم .
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 424
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٤٢٤