الشاهدية تتجاوز حيزهم كثيرا كثيرا ، فهي وظيفة تختزن حفظ الدين
مطابقا لأصل الوحي مضمونا ونصوصا ، وتختزن القيمومة عليه بروحه
وأهدافه ، في كل أبعاده الفردية والمجتمعية والإنسانية العالمية ، والنخبة
بالمفهوم المذكور هم من المتنورين في الأمة في أحسن تقدير ، عليهم أن
يقوموا بواجبات كل مؤمن في خدمة الدين ، أما الشاهدية فهي عليهم
ككل الناس ، بل قبل غيرهم ، إذ من يراجع التاريخ ، يرى أن مثل هذه
النخب - التي كل منها ظن أنه يفهم الإسلام حق الفهم أو ظن مريدوه
كذلك - كثيرا ما كان سبب الفتنة والانحراف وسفك الدماء ، بل أكثر
الذي حصل من هذا كان منها . بل إن من الأمثلة الدامغة على حقيقة
هذه النخبة ما يطالع المرء من مسلك الفقهاء ونتائج اجتهاداتهم في
موضوع الخلافة ، بعد العزوف عن إمامة آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) ،
فيرى المهزلة حين خضع اجتهادهم لتقلبات الخلافة ، ليبرر ويعطي الشرعية
لكل نماذجها ، حتى الأسوأ منها ، فخلافة الاختيار والشورى تصح حتى
بسبق الواحد إلى بيعة آخر ، ولو عن غير سابق مشورة ، فيلزم بها الأمة
بأسرها ، كما تصح الخلافة بالاستخلاف وبالغلبة والسطو على المقاليد ،
وتجب طاعة الولي الفاسق والجائر ، ويصح تعدد الأئمة ، وهكذا خضع
الاجتهاد لأسوأ تقلبات الخلافة بكل مفاسدها ، يبررها ويشرعها ،
وعجزت هذه النخبة ، خلافا لما كان يرجى منها ، عن بلورة نظام حكم
إسلامي متميز ، يكون معيارا يصحح مسار الخلافة . ولو كان ذلك
لاختلف مسار تاريخ المسلمين برمته ، فكشفت هذه الحقيقة عن انكسار
النخبة أمام الواقع المنحرف ، بل حملت الرعية على الخضوع له باسم
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 212
مساهمون: زهير بيطار
ص٢١٢