صددها ، وكذلك لتناقض دلالة الآية مع الواقع حين يحمل الخطاب على
عموم المسلمين ، إذ لم يقم المسلمون كأمة وجماعة بدور في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ، على الصعيد الأممي ، بل انشغلوا بالحروب
والنزاعات الدامية فيما بينهم ، ثم بالدفاع عن بلادهم ، فكان سلوك
دولتهم أو دولهم بين الأمم كسلوك أي دولة ، غاية ملوكها الحفاظ على
السلطان وتوسيعه ، ولم يكن لهم من هم الرسالة شئ ، حتى أن التاريخ
سجل أن بعض الملوك الأمويين لم يكونوا يقبلون إسلام بعض الجماعات
في ولايتهم ، لكي لا ينقص مدخول بيت المال من الجزية ، ولم يسجل
التاريخ من بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن أحدا من الخلفاء أو الملوك
قد بعث إلى دول العالم يدعوهم إلى الإسلام على سبيل المثال ، على أن
الفتوحات التي كانت في صدر الإسلام لم تأخذ طابع الأمر بالمعروف ،
لأنها لم تكن مسبوقة بدعوة واضحة من قبل الخلفاء ، ولا بمحاولة للحوار
الفكري من قوله تعالى * ( وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة
الحسنة ) * ، لذلك اتخذت طابع الفتوحات العسكرية ، مما ترك أثرا سلبيا
على علاقة الدين الجديد بالشعوب المجاورة ، التي لم يصلها سلطان
المسلمين ، بينما كان دخول كثير من الشعوب بالإسلام بتأثير المسلمين
الذين دخلوا بلادهم مسالمين كتجار لا كفاتحين ، أكثر فعالية من
الفتوحات ذاتها في بلاد آسيا وكثير من أفريقيا .
أما ما قيل حول الوسطية من توسط الإسلام بين اليهودية
والنصرانية ، أو بين المادية والروحانية ، فما هو إلا محض إفتراض لا يوحي
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 206
مساهمون: زهير بيطار
ص٢٠٦