فساد الحال بينهما ، وان سكت عنه ادّى ذلك إلى الاختلال بالواجب ، كما انّ راكب الصعبة ان اشنق لها ووالى جذب الزمام في وجهها خرم انفها ، وان أسلس لها في قيادها تقحّمت به في المهالك ، وركبت به العسف . وقيل : الضمير في صاحبها يعود إلى الخلافة ، وصاحبها هو من تولَّى أمرها ، ووجه شبهه براكب الصعبة انّ الخليفة يحتاج إلى مداراة الخلق وجذبهم عن طرفي الافراط والتفريط إلى حاقّ الوسط فلا يشدّد عليهم في طلب الحق التشديد الموجب لعجزهم وقصورهم وفساد الامر بينه وبينهم ، كمن اشنق الصعبة ولا يهملهم فيتّعدوا الواجب ويهلك بهلاكهم كمن أسلس لها . وقيل : أراد بصاحبها نفسه لانّه أيضا بين خطرين ، امّا ان يبقى ساكتا عن طلب الأمر فيتقحّم بذلك في موارد الذلّ كما يتقّحم مسلس قياد الصعبة . وامّا ان يتشدّد في طلبه فيشق بذلك عصا الاسلام فيكون كمن اشنق لها فخرم انفها .
وقوله : فمنى الناس اى : ابتلوا ، واستعار لفظ الخبط والشماس وهو : نفار الدابة والتلوّن ، والاعتراض وهو المشي في عرض الطريق لما كان يقع من تغيّر اخلاق الرجل واختلاف حركاته ، كالفرس الذي لم يرض ، وقيل : أراد ما ابتلى به الناس من تفرّق الكلمة واضطراب الامر لذلك بعد رسول اللَّه عليه السلام . والمدّة : مدّة البلاء وشدّة المحنة لفوات حقّه .
وقوله : حتّى مضى ، اى : الثاني ، والجماعة الذين جعلها فيهم هم أهل الشورى .
والشورى : مصدر كالنجوى ، وخلاصة خبرهم : انّه لما طعن عمر دخلت عليه وجوه الصحابة وسألوه ان يستخلف رجلا برضاه ، فقال : لا احبّ ان اتحمّلها حيّا وميتا ، فقالوا : الَّا تشير علينا فقال : ان أحببتم فقالوا : نعم ، فقال : الصالحون لهذا الامر سبعة وهم : سعيد بن زيد ، وانا مخرجه منهم لانّه من أهل بيتي ، وسعد بن أبي وقّاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة ، وزبير ، وعثمان ، وعلَّى . فامّا سعد فيمنعنى منه عنفه ، ومن عبد الرحمن انّه قارون هذه الامّة ، ومن طلحة فتكبّره ، ومن الزّبير فشحّه ، ومن عثمان حبّه لقومه ، ومن علىّ حرصه على هذا الأمر ، وأمر أن يصلَّى صهيب بالناس ثلاثة ايّام ، ويخلوا الستة في بيت ثلاثة ايّام فان اتّفقت خمسة على رجل وأبى واحد قتل ، وان اتّفقت ثلاثة وأبت ثلاثة فليكن الناس مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 94
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٩٤