فحكمت له العقول السليمة على المدّعية لما ليست أهلا له . أو انّه جعل تلك المدّعية هي الحاكمة على نفسها بعد اجتهادها في طلبه ، واعترافها بالعجز عن ادراكه ، ووجوب الحجج ، اى : الحجج الواجبة على الخلق . والفلج : الفوز . والنار : الاعلام . والأمراس جمع مرس بفتح الراء وهى الحبل . وباللَّه التوفيق .
منها : في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات : ولو فكَّروا في عظيم القدرة ، وجسيم النّعمة ، لرجعوا إلى الطَّريق ، وخافوا عذاب الحريق ، ولكنّ القلوب عليلة ، والأبصار مدخولة ألا ينظرون إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه ، وأتقن تركيبه ، وفلق له السّمع والبصر ، وسوّى له العظم والبشر أنظروا إلى النّملة في صغر جثّتها ، ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبّت على أرضها ، وصبّت على رزقها تنقل الحبّة إلى جحرها ، وتعدّها في مستقرّها ، تجمع في حرّها لبردها ، وفى وردها لصدرها ، مكفولة برزقها ، مرزوقة بوفقها ، لا يغفلها المنّان ، ولا يحرمها الدّيّان ، ولو في الصّفا اليابس ، والحجر الجامس ، ولو فكَّرت في مجارى أكلها ، في علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها ، وما في الرّأس من عينها وأذنها ، لقضيت من خلقها عجبا ، ولقيت من وصفها تعبا ، فتعالى الَّذى أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه في خلقها قادر . ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلَّتك الدّلالة إلَّا على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النّخلة ، لدقيق تفصيل كلّ شيء ، وغامض اختلاف كلّ حىّ وما الجليل واللَّطيف ، والثّقيل والخفيف ، والقوىّ والضّعيف ، في خلقه إلَّا سواء وكذلك السّماء والهواء ، والرّياح والماء فانظر إلى الشّمس والقمر ، والنّبات والشّجر ، والماء والحجر ، واختلاف هذا اللَّيل والنّهار ، وتفجّر هذه البحار ، وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه القلال ، وتفرّق هذه اللَّغات ، والألسن المختلفات ، فالويل لمن أنكر المقدّر ، وجحد المدبّر . زعموا أنّهم كالنّبات مالهم زارع ، ولا لاختلاف صورهم صانع ولم يلجئوا إلى حجّة فيما ادّعوا ، ولا تحقيق لما أوعوا ، وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان
اختيار مصباح السالكين — صفحة 429
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٤٢٩