وإن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين ، وأسرج لها حدقتين قمر - اوين ، وجعل لها السّمع الخفىّ ، وفتح لها الفم السّوىّ ، وجعل لها الحسّ القوىّ ، ونابين بهما تقرض ومنجلين بهما تقبض ، يرهبها الزّرّاع في زرعهم ، ولا يستطيعون ذبّها ، ولو أجلبوا بجمعهم ، حتّى ترد الحرث في نزواتها ، وتقضى منه شهواتها وخلقها كلَّه لا يكون إصبعا مستدقّة . فتبارك اللَّه الَّذى يسجد له من في السّموات والأرض طوعا وكرها ، ويعفّر له خدّا ووجها ، ويلقى إليه بالطَّاعة سلما وضعفا ، ويعطى له القياد رهبة وخوفا . فالطَّير مسخّرة لأمره ، أحصى عدد الرّيش منها والنّفس ، وأرسى قوائمها على النّدى واليبس ، وقدّر أقواتها ، وأحصى أجناسها : فهذا غراب ، وهذا عقاب ، وهذا حمام ، وهذا نعام ، دعا كلّ طائر باسمه ، وكفل له برزقه ، وأنشأ السّحاب الثّقال فأهطل ديمها ، وعدّد قسمها فبلّ الأرض بعد جفوفها ، وأخرج نبتها بعد جدوبها . أقول : علة القلوب مرض الجهل . ومدخولة : معيوبة . وعيبها كونها لا يدرك العبر ولا ينتفع بها . والبشر : الجلد . ونقل الجاحظ من عجائب النملة انّها : يدّخر في الصيف للشتاء فيقدّم في حال المهلة ولا تضيع أوقات الفرصة ، ويبلغ من صحة تميّزها والنظر في عاقبة امرها أن تخاف على الحبوب التي ادّخرتها للشتاء ان تعفّن وتسوسّ في بطن الأرض فتخرجها إلى ظهرها لتنشرها ، وتعيد إليها جفافها ويضربها النسيم فينفى عنها العفن والفساد ، وربّما تختار في الأكثر ان يكون ذلك العمل ليلا ليكون اخفى وفى القمر لانّها فيه أبصر ، فإن كان مكانها نديّا وخافت ان تنبت الحبة نقرت موضع القطمير من وسطها لعلمها انّها من ذلك الموضع تنبت وربّما فقلت الحبة بنصفين . فأمّا ان كان الحب من الكزبرة فأنّها تفلقه أرباعا لان انصاف حب الكزبرة ينبت من بين جمع الحب . قال : ونقل الىّ من أثق به انّه احتفر بيت النمل ، فوجد الحبوب التي جمعتها كلّ نوع وحده . قال : ووجدنا في بعضها انّ بعض الحبوب فوق بعض وبينها فواصل حائلة من التبن ونحوه ( 1 ) . والجامس : الجامد ، والسراسيف : أطراف الأضلاع المحتوية على البطن ، ودعائمها ما يقوم في بدنها مقام العظام والاعصاب ونحوها . وقوله :
اختيار مصباح السالكين — صفحة 430
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٤٣٠
هامش
( 1 ) الحيوان 4 - 18 . حياة الحيوان 2 - 366 .