تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختيار مصباح السالكين — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
162 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه خالق العباد ، وساطح المهاد ، ومسيل الوهاد ، ومخصب النّجاد ليس لأوّليّته ابتداء ، ولا لأزليّته انقضاء ، هو الأوّل لم يزل ، والباقي بلا أجل خرّت له الجباه ، ووحّدته الشّفاه ، حدّ الأشياء عند خلقه لها إبانة له من شبهها ، لا تقدّره الأوهام بالحدود والحركات ، ولا بالجوارح والأدوات لا يقال له : « متى » ولا يضرب له أمد بحتّى ، الظَّاهر لا يقال « ممّا » ، والباطن لا يقال « فيما » ، لا شبح فيتقضّى ، ولا محجوب فيحوى . لم يقرب من الأشياء بالتصاق ، ولم يبعد عنها بافتراق ، لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة ، ولا كرور لفظة ، ولا ازدلاف ربوة ، ولا انبساط خطوة في ليل داج ، ولا غسق ساج ، يتفيّأ عليه القمر المنير ، وتعقبه الشّمس ذات النّور ، في الأفول والكرور ، وتقلَّب الأزمنة والدّهور ، من إقبال ليل مقبل ، وإدبار نهار مدبر ، قبل كلّ غاية ومدّة ، وكلّ إحصاء وعدّة ، تعالى عمّا ينحله ، المحدّدون من صفات الأقدار ، ونهايات الأقطار ، وتأثّل المساكن ، وتمكَّن الأماكن : فالحدّ لخلقه مضروب ، وإلى غيره منسوب ، لم يخلق الأشياء ، من أصول أزليّة ، ولا من أوائل أبديّة ، بل خلق ما خلق فأقام حدّه ، وصوّر ما صوّر ، فأحسن صورته ، ليس لشيء منه امتناع ، ولا له بطاعة شيء انتفاع . علمه بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين وعلمه بما في السّموات العلى كعلمه بما في الأرضين السّفلى . أقول : ساطع المهاد : جاعل الأرض مهادا للحيوان . والوهاد : جمع وهدة وهى : المطمئن من الأرض . والنجاد جمع نجد وهو : المرتفع منها . وأشار بعدم ابتداء اوليّته : إلى قدمه لذاته وبعدم انقضاء ازليّته : إلى سلب الغاية عن وجوده . وحدّه للأشياء : جعلها ذات حدود ، ونهايات من اجزاء واشكال ، وأقطار تنتهى بها . ولما ظهر من خلقه تعالى للموجودات انّه مباين لها بذاته اشبهت ارادته لأيجادها قصد إبانته منها ، فاستعار لفظها لتميزه بذاته عنها . ولما كانت الأوهام لا تدركه لا جرم لم يمكن تقديرها ايّاه بما من شأنها الادراك به مما عدّد ، ولما تنزّه عن الزمان والمادة والمكان لم تصدق عليه الألفاظ المقولة بحسبها . وشخوص اللحظة مدّ البصر . وازدلاف الربوة : تقدّمها اى : الربوة