علم اللَّه . وخصّص وصف الرحمن لأنه مبدأ بعثة الأنبياء والأولياء ، إذ جعلهم اللَّه برحمته هداة خلقه . وقوله : لم يسبقوا اى : عند صمتهم لا يسبقون إلى فضيلة نطق ، إذ كان صمتهم في موضع الصمت حكمة . وقوله : فليصدّق رائد أهله : كالمثل وقد سبق مثله ، وفائدته التنبيه على فضله ، والأمر يصدق الخبر عنه لمن يعنيهم أمره وانّ عنده من مراعى النفوس وماء حياتها ما ينبغي . وليحضر عقله اى : ليفهم ما يقوله : واستعار لفظ الأبناء : للآخرة ، ووجه الشبه قوله : فانّه إلى قوله ينقلب ، وذلك انّ الانسان مبدأ الحضرة الإلهية فعنها ينقلب واليها يعود ، كالمنقلب عن الامّ الراجع إليها . وقوله : واعلم ، إلى قوله : باطنه ، إشارة : إلى ما اقتضته الحكمة الإلهية من جعل العالم الجسماني مثالا للعالم الروحاني ، وطريقا للنفوس البشريّة إلى مثالها من المعقولات ، وانّه لولا ذلك لتعذّر السفر إلى الحضرة الإلهية ، ومن ذلك ما أشار اليه عليه السلام : من اشخاص الناس أو افعالهم الظاهرة ، فانّها دالَّة على ما يناسبها في بواطنهم من الأخلاق واعمال القلوب دلالة اكثريّة ، فرّب حسن الصورة قبيح الباطن ، وربّ خبيث الظاهر حسن الباطن ، ولذلك استشهد بالخبر النبوىّ ( فانّ اللَّه يحب العبد من حيث صورته الحسنة ) لكونها مقتضى الحكمة الإلهية ، وانسب إلى الوجود من القبيحة التي هي انسب إلى العدم الَّذى هو الشر المحض ، ويبغض عمله من جهة ما هو شر مكروه بالذات ويحب ويبغض بالعكس من كان على العكس ، ومن النص الحكيم على دلالة الظاهر على الباطن قوله تعالى : * ( ( والْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُه بِإِذْنِ رَبِّه والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ) ) * ( 1 ) واستعار لفظ النبات : لزيادة الأعمال ونموّها ولفظ الماء للمادية القلبيا من الإرادات والنيّات المخالفة ، وظاهر انّ طيب الأعمال بطيبها ، وخبثها بخبثها كالماء وما يسقى به .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 326
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٢٦
هامش
( 1 ) سورة الأعراف - 58 .