ثانية بالكفر على من شبّهه ، وبيّن ذلك بقياس اسند كبراه إلى كتاب اللَّه ، ونصوص آياته المحكمة ، وبيّناته الأنبياء وشواهد حججهم هي تلك الآيات كقوله تعالى : * ( ( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ ) ) * ( 1 ) الآية . وامّا صغراه فلانّ الشبيه هو المثل والعديل . وقوله : واشهد ، إلى قوله : مصرّفا : شهادة ثالثة هي خلاصة الاوّلتينّ بكمال ألوهيته ، وتنزيهه عن التناهي في العقول البشريّة واحاطتها به ، وتنبيهه على ما يلزم تناهيه فيها من كونه ذا كيفيّة تستثبته العقول : ويصرّفها بها الوهم والخيال . ومصرّفا أي : محكوما عليه في ذاته في العقول باطلا . ومنها : قدّر ما خلق فأحكم تقديره ، ودبّره فأحسن تدبيره ، ووجّهه لوجهته فلم يتعدّ حدود منزلته ، ولم يقصّردون الانتهاء إلى غايته ، ولم يستصعب إذ أمر بالمضىّ على إرادته ، وكيف وإنّما صدرت الأمور عن مشيئته المنشىء أصناف الأشياء بلا رويّة فكر آل إليها ، ولا قريحة غريزة أضمر عليها ، ولا تجربه أفادها من حوادث الدّهور ، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور ، فتمّ خلقه وأذعن لطاعته ، وأجاب إلى دعوته ، ولم يعترض دونه ريث المبطئ ، ولا أناة المتلكَّىء ، فأقام من الأشياء أودها ، ونهج حدودها ، ولاءم بقدرته بين متضادّاتها ، ووصل أسباب قرائنها ، وفرّقها أجناسا مختلفات في الحدود والأقدار والغرائز والهيئات بدايا خلائق أحكم صنعها ، وفطرها على ما أراد وابتدعها . أقول : احكام تقديره خلقه على وجه الحكمة ، وحسن تدبيره ايجاده كاملا في منفعته ، وما خلق لأجله حسنا في صورته ، وتوجّهه : لوجهته بعثه بحسب الحكمة والعناية الآلهية إلى غايته ، وتيسيره لها ووقوفه عندها في ابداعه لخلقه ، وقريحة الغريزة : قوّة الفكر ، واذعان خلقه دخوله في حكم قدرته وذلّ الحاجة اليه . والريث والأناة والتلكَّى : التباطؤ وهو من لواحق الجسم ، فكان تعالى منزّها في خالقيته عنها . والأود : الاعوجاج ، وإقامتها
اختيار مصباح السالكين — صفحة 221
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٢١
هامش
( 1 ) سورهء فصلت - 9 .