يفوّضوا علم مالم يعلموا إلى علمه تعالى وهو المراد : بالتفويض المشهور . وقوله : انّ الراسخين ، إلى قوله : المحجوب : تفسير لمعنى الرسوخ في العلم . والاقتحام : الدخول في الامر بشدّة . والسدد جمع سدّة وهى : الأبواب والحجب . واعلم انّ لحجب الغيوب طبقات كثيرة كما أشار اليه الرسول صلى اللَّه عليه وآله : ( ان للَّه سبعين الف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لا حرقت سبحات وجهه كل من أدرك بصره ) وقد نبّهنا عليها في الأصل ( 1 ) ، وهنا لطيفة وهو انّه لما كان التكليف في نفس الأمر انّما هو على قدر العقول وتفاوت مراتبها كما قال صلى اللَّه عليه وآله : ( بعثت لاكلَّم الناس على قدر عقولهم ) . كان كلّ عقل قوىّ على رفع حجاب من حجب الغيب ، وقصر عمّا ورائه ، واعترف به ، وبالعجز عنه ، فذلك تكليفه وهو من الراسخين فعلى هذا ليس الرسوخ مرتبة واحدة هي تقليد ظاهر للشريعة واعتقاد حقيقتها فقط بل تقليدها مرتبة أولى من مراتبه ، وما وراء ذلك من مراتب غير متناهية بحسب مراتب السّالكين وقوّتهم على رفع حجاب الأنوار . وظاهر كلامه عليه السّلام ، لا ينافي ذلك إذا نزّل عليه ، فإنّ قوله : وسمّى ترك التعمّق فيما لم يكلَّفهم البحث عن كنهه : رسوخا صادقا أيضا على من قطع جملة من منازل السائرين إلى اللَّه ، وعجز عمّا ورائها فوقف ذهنه عن التعمّق فيه إذ لا يكلَّف بما لا يفي به قوّته بدركه ، والمقدّر لعظمة اللَّه بقدر عقله هو المعتقد انّ عقله ادركه وأحاط به علما ، ووجه الهلاك في ذلك : الاعتقاد انّ ما يحيط به العقول البشرية محدّد ومركَّب ، فكان ممكنا فالمعتقد لذلك معتقد لغير الاله الها . وقوله : هو القادر ، إلى آخره ، إشارة إلى : اعتبارات اخر من صفاته تعالى ، نبّه فيها على انّ غاية استقصاء العقول وتعمّقها في طلب تفصيل صفاته ان تقف خاسئة وترجع حسيرة . وارتماء الأوهام : استر - سألها مجدّة في المطالعة والتفتيش ، وعميقات غيوب ملكوته : في اسرار عالم الغيب . واستعار لفظ العمق : باعتبار عدم وصول غائص الفكر إلى منتهاها . والتولَّه : شدّة الشوق . وردعها : خلقها قاصر عن ادراك ما تطلبه من هذه المطالب ، فردع الأوهام لقصورها عن ادراك ما ليس بمحسوس . وردع الفكر والعقول له قصورها عن ادراك حقيقة ما ليس بمحدود مركَّب . وقدّم اعتبار قدرته تعالى على الشرطيّة لانّها الأصل في ذلك الردع . و
اختيار مصباح السالكين — صفحة 219
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢١٩
هامش
( 1 ) الشرح الكبير 2 - 332 .