تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختيار مصباح السالكين — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧

قبله ، وأرانا من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قدرته ، ما دلَّنا باضطرار قيام الحجّة له على معرفته ، وظهرت في البدائع الَّتى أحدثها آثار صنعته وأعلام حكمته ، فصار كلّ ما خلق حجّة له ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا فحجّته بالتّدبير ناطقة ، ودلالته على المبدع قائمة . وأشهد أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك ، وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ، ولم يباشر قلبه اليقين بأنّه لا ندّ لك ، وكأنّه لم يسمع تبرّأ التّابعين من المتبوعين إذ يقولون : * ( ( تَا لله إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) ) * ( 1 ) كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم وجزّأوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم وقدّروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم ، وأشهد أنّ من ساواك بشئ من خلقك فقد عدل بك ، والعادل بك كافر بما تنزّلت به محكمات آياتك ، ونطقت عنه شواهد حجج بيّناتك ، وإنّك أنت اللَّه الَّذى لم تتناه في العقول فتكون في مهبّ فكرها مكيّفا ، ولا في رويّات خواطرها فتكون محدودا مصرّفا . أقول : قيل سمّيت الأشباح لاشتمالها على ذكر الأشباح ، وهى : الاشخاص . وقيل : لانّ الشبح هو الطول والامتداد . وهذه الخطبة ذات اقسام طوال ممتدّة كذكر السماوات ، وكيفية تخليقها ، وكذكر الملائكة واقسامهم ، وكيفية خلقهم وأحوالهم ، وذكر الأرض وكيفية خلقها . ويفرّه ، يزيده وفرا وهو : المال . ويكديه : ينقص خيره . وانّما لم يقبل الزيادة والنقصان لاستلزامهما الحاجة والامكان المنزّه قدسه عنهما ، ونزّهه في الحكمين عن حال غيره من المعطَّلين والمانعين ، وفوائد النعم ما أفاد منها ، وعوائد المزيد ، والقسم ما اعتاد منهما ، واستعار لفظ العيال : للخلق باعتبار ضمان ارزاقهم ، والقيام لأحوالهم ، ولفظ الضمان لما وجب في الحكمة من تقدير الأقوات والأرزاق التي لا بدّ منها كالضمان . وسبيل الراغبين اليه ، شريعته ودينه ، ونهجه لهم : ايضاحه بالادلَّة . وقوله : ليس بما سئل بأجود منه بما لم يسئل عنه ، فيه لطيفة وهى : انّ فيضان ما يصدر عنه سبحانه له اعتباران :

هامش
( 1 ) سورة الشعراء - 97 - 98 .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 217 | ابن ميثم البحراني / شيخ محمد هادي الأميني