تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
السُّبُلَ فَتَفَرّقَ بكُم عنْ سَبيله " سورة المائدة آية 16 ، فجمع سبل الباطل ووحد سبيل الحق ولا يناقض هذا قوله تعالى : " يَهْدي به اللَّهُ مَنِ اتّبَعَ رضْوانه سُبُلَ السّلام " . فإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد ، وصراطه المستقيم ، فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد وسبيل واحد ، وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خط خطاً مستقيماً وقال : " هذا سبيل اللّه " ، ثمّ خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال : " هذه سُبُل ، على كل سبيل منها شيْطان يدعو إليه " ، ثم قرأ قوله تعالى : " وإنَّ هذا صِراطي مُسْتقيماً فاتّبعُوه ولا تَتّبعُوا السُّبُل فَتَفرّقَ بكُمْ عَنْ سبيلهِ ذلِكُم وَصَّاكم به لَعَلّكُم تتّقُونَ " . وقد قيل : إن هذا مثل للمنافقين ، وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام ويكون بمنزلة قول اللهّ تعالى : " كُلّما أوقدوا ناراً للحَرْب أطْفأها اللهّ " سورة المائدة آية 64 . ويكون قوله تعالى : " ذهب اللهّ بنورهم " سورة البقرة آية 17 . مطابقاً لقوله تعالى : " أطفأها اللهّ " . ويكون تخييبهم وإبطال ما راموه هو تركهم في ظلمات الحيرة لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه ولا يبصرون سبيلاً ، بل هم صم بكم عمي . وهذا التقدير وإن كان حقاً ، ففي كونه مراداً بالآية نظر . فإن السياق إنما قصد لغيره ويأباه قوله تعالى : " فلما أضاءت ما حوله " . وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبداً . ويأباه قوله تعالى : " ذهب اللهّ بنورهم " وموقد نار الحرب لا نور له . ويأباه قوله تعالى : " وتركهم في ظلمات لا يبصرون " . وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الشك والكفر . قال الحسن رحمه اللّه : هو المنافق أبصر ثم عمي ، وعرف ثم أنكر ، ولهذا قال : " فهم لا يرجعون " . أي : لا يرجعون إلى النور الذي فارقوه . وقال تعالى في حق الكفار : " صُمٌ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يعْقِلُونَ " . فسلب العقل عن الكفار إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان ، وسلب الرجوع عن المنافقين لأنهم آمنوا ثم كفروا ، فلم يرجعوا إلى الإيمان .
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 36 | ابن قيم الجوزية / رضوان جامع رضوان