تبصره ولا تعقل ما ينفعها .
وقيل : لما لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم ، نُزِّلوا بمنزلة من لا سمع له ولا بصر ولا عقل . والقولان متلازمان .
وقال في صفتهم : " فهم لا يرجعون " لأنهم قد رأوا في ضوء النار وأبصروا الهدى ، فلما طفئت عنهم لم يرجعوا إلى ما رأوا وأبصروا .
وقال سبحانه وتعالى : " ذهب الله بنورهم " ولم يقل : ذهب نورهم ، وفيه سر بديع ، وهو انقطاع سر تلك المعية الخاصة التي هي للمؤمنين من اللّه تعالى ، فإن اللّه تعالى مع المؤمنين . وإن اللّه مع الصابرين . وإن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون . فذهاب الله بذلك النور انقطاع لمعيته التي خصّ بها أولياءه ، فقطعها بينه وبين المنافقين ، فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم ، فليس لهم نصيب من قوله : " لا تَحْزن إنّ اللَّهَ مَعَنا " سورة التوبة آية 40 . ولا من : " كَلاّ إنَّ معي ربِّي سَيَهْدينِ " سورة الشعراء آية 62 .
وتأمل قوله تعالى : " أضاءت ما حوله " . كيف جعل ضوءها خارجاً عنه منفصلاً ، ولو اتصل ضوؤها به ولابسه لم يذهب ، ولكنه كان ضوء مجاورة لا ملابسة ومخالطة ، وكان الضوء عارضاً والظلمة أصلية ، فرجع الضوء إلى معدنه ، وبقيت الظلمة في معدنها ، فرجع كل منهما إلى أصله اللائق به حجّة من الله قائمة ، وحكمة بالغة تعرّف بها إلى أولي الألباب من عباده .
وتأمل قوله تعالى : " ذهب اللّه بنورهم " ولم يقل : بنارهم ، ليطابق أول
الآية ، فإن النار فيها إشراق وإحراق ، فذهب بما فيها من الإشراق وهو النور ، وأبقى عليهم ما فيها من الاحراق وهو النارية .
وتأمل كيف قال : بنورهم ، ولم يقل : بضوئهم ، مع قوله : " فلما أضاءت ما حوله " لأن الضوء هو زيادة في النور ، فلو قيل : ذهب الله بضوئهم لأوْهَمَ الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل ، فلما كان النور أصل الضوء ، كان الذهاب به ذهابَاً بالشيء وزيادته .
وأيضاً فإنه أبلغ في النفي عنهم ، وأنهِم من أهل الظلمات الذين لا نوِر لهم .
وأيضَاً فإن الله تعالى سمى كتابه نوراً . ورسوله
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 34
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٣٤