الذين عنى بقوله تعالى : " كَذلكَ يُريهمُ اللَّهُ أعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهمْ ومَا هُمْ بخارجينَ منَ النّار " سورة البقرة آية 167 .
القسم الثاني : أصحاب الظلمات :
والقسم الثاني من هذا الصنف : أصحاب الظلمات ، وهم المنغمسون في الجهل بحيث قد أحاط بهم من كل وجه ، فهم بمنزلة الأنعام ، بل هم أضل سبيلاً ، فهؤلاء أعمالهم التي عملوها على غير بصيرة ، بل بمجرد التقليد واتباع الآباء من غير نور من الله تعالى ، كظلمات جمع ظلمة ، وهي : ظلمة الجهل ، وظلمة الكفر ، . وظلمة الظلم واتباع الهوى ، وظلمة الشك والريب ، وظلمة الإعراض عن الحق الذي بعث اللّه تعالى به رسله صلوات اللّه وسلامه عليهم ، والنور الذي أنزله معهم ليخرجوا به الناس من الظلمات إلى النور .
فإن المُعْرِضَ عمَّا بَعَثَ اللَّهُ تعالى به محمداً صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق يتقلَّب في خمس ظلمات : قوله ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومصيره إلى الظلمة ، وقلبه مظلم ، ووجهه مظلم ، وكلامه مظلم ، وحاله مظلم ، وإذا قابلت بصيرته الخفاشية ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من النور جدّ في الهرب منه ، وكاد نوره يخطف بصره ، فهرب إلى ظلمات الآراء التي هي به أنسب وأولى كما قيل :
خَفَافيشُ أعْشاها النّهار بضوئهِ * ووافَقَها قِطَع منَ اللّيل مُظْلمُ
فإذا جاء إلى زبالة الأفكار ونخالة الأذهان جال ومال ، وأبدى وأعاد وقعقع وفرقع ، فإذا طلع نورُ الوحي وشمسُ الرسالة انحجز في حجرة الحشرات .
تفسير قوله تعالى : " في بحر لُجِّيٍّ " : وقوله : " في بحر لجي " اللجي : العميق . منسوب إلى لجة البحر وهو معظمه ، وقوله تعالى : " يَغْشاهُ مَوْجٌ منْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ " . سورة النور آية 40 .
تصوير الحال هذا المعرض عن وَحْيه ، فشبه تلاطم أمواج الشبه والباطل في صدره بتلاطم أمواج ذلك البحر ، وأنها أمواج بعضها فوق بعض .
والضمير
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 30
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٣٠