والزجاجة قلبه ، شُبِّهَ قلبه بالزجاجة لرقَّتها وصفائها وصلابتها ، وكذلك قلب المؤمن ، فإنَه قد جمع الأوصاف الثلاثة ، فهو يرحم ويحسن ويتحنن ويُشفق على الخلق برقته وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق ، والعلوم على ما هي عليه ، ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء ، وبصلابته يشتد في أمر اللّه تعالى ، ويتصلب في ذات الله تعالى ، ويغلظ على أعداء الله تعالى ، ويقوم بالحق للّه تعالى .
وقد جعل اللّه تعالى القلوب كالآنية ، كما قال بعض السلف : القلوب آنية اللّه في أرضه فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها .
والمصباح هو نور الإيمان في قلبه ، والشجرة المباركة : هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى ودين الحق ، وهي مادة المصباح التي يتقد منها ، والنور على النور نور الفطرة الصحيحة والإدراك الصحيح ، ونور الوحي والكتاب ، فينضاف أحد النورين إلى الآخر ، فيزداد العبد نوراً على نور ، ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه بالأثر ، ثم يبلغه أوثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به ، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة والوحي ، فيريه عقله وفطرته
وذوقه الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة ، بل يتصادقان ويتوافقان ، فهذا علامة النور على النور عكس من تلاطمت في قلبه أمواج الشبه الباطلة والخيالات الفاسدة من الظنون الجهليات التي يسميها أهلها القواطع العقليات .
فهي في صدره : " كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِن فَوقِهِ مَوْجٌ منْ فَوقِهِ سَحابٌ ظُلُمات بَعْضُها فَوقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاها ومَنْ لَمْ يَجْعل اللهّ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ " سورة النور آية 40 .
فانظر كيف انتظمت هذه الآيات طرائق بني آدم أتم انتظام ، واشتملت عليه أكمل اشتمال ، فإن الناس قسمان : أهل الهدى والبصائر الذين عرفوا أن الحق فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن اللّه سبحانه وتعالى ، وأن كل ما عارضه فشبهات يشتبه على من قل نصيبه من العقل والسمع أمرها فيظنها شيئاً له حاصل ينتفع به .
وهي : " كَسَرابِ بقيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظّمآن ماءً حتى إذا جاءه لَمْ يَجلْى شيْئاً ووجَدَ
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 27
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٧