اللّه عنْدَهُ فَوَفّاه حِسَابَه واللّه سريعُ الحِساب ، أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوقهِ مَوْجٌ منْ فوقهِ سَحَابٌ ظُلُماتٌ بعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاها ومَنْ لَمْ يَجْعل اللّه لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ منْ نُورٍ " سورة النور آية 39 - 40 . وهؤلاء هم أهل الهدى ودين الحق ، أصحاب العلم النافع والعمل الصالح ، الذين صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أخباره ، ولم يعارضوها بالشبهات وأطاعوه في أوامره ، ولم يضيعوها بالشهوات ، فَلا هُمْ في علمهم من أهل الخوض الخراصين الذين هم في غمرة ساهون ، ولا هم في عملهم من المستمتعين بخلاقهم الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة .
وأولئك هم الخاسرون أضاء لهم نور الوحي المبين ، فرأوا في نوره أهل الظلمات في ظلمات آرائهم يعمهون ، وفي ضلالتهم يتهوكون ، وفي ريبهم يترددون ، مغترين بظاهر السراب ، ممحلين مجدبين مما بعث اللّه تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم من الحكمة وفصل الخطاب إن عندهم إلا نخالة الأفكار ، وزبالة الأذهان التي قد رضوا بها واطمأنوا إليها ، وقدموها على السنّة والقرآن . إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه . أوجبه لهم اتباع الهوى ونخوة الشيطان ، وهم لأجله يجادلون في آيات الله بغير سلطان .
فصل
في بيان أهل الجهل والظلم وأنهم قسمان
القسم الأول من أهل الجهل :
القسم الأول : أهل الجهل والظلم الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به ، والظلم باتباع أهوائهم الذين قال الله تعالى فيهم : " إنّ يَتّبعُونَ إلاَّ الظّن وما تَهْوَى الأنْفُسُ ولقد جاءهُمْ منْ ربُهم الهُدَى " سورة النجم آية 23 . وهؤلاء قسمان : أحدهما : الذين يحسبون أنهم على علم وهدى ، وهم أهل الجهل والضلال ، فهؤلاء أهل الجهل المركَّب الذين يجهلون الحق ويعادونه ، ويعادون
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 28
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٨