أهله ، وينصرون الباطل ويوالون أهله ، وهم يحسبون أنهم على شيء ، إلا أنهم هم الكاذبون ، فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئَاً ، وهكذا هؤلاء أعمالهم وعلومهم بمنزلة السراب الذي يخون صاحبه أحوج ما هو إليه ولم يقتصر على مجرد الخيبة والحرمان ، كما هو حال من أمّ السارب ، فلم يجده ماءً ، بل انضاف إلى ذلك أنه وجد عنده أحكم الحاكمين وأعدل العادلين سبحانه وتعالى ، فحسب له ما عنده من العلم والعمل فوفاه إياه بمثاقيل الذر ، وقدم إلى ما عمل من عمل يرجو نفعه ، فجعله هباء منثوراً ، إذ لم يكن خالصاً لوجهه ، ولا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وصارت تلك الشبهات الباطلة التي كان يظنها علوماً نافعة كذلك هباء منثوراً ، فصارت أعماله وعلومه حسرات عليه .
والسراب : ما يرى في الفلاة المنبسطة من ضوء الشمس وقت الظهيرة يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري ، والقيعة والقاع : هو المنبسط من الأرض الذي لا جبل فيه ولا فيه واد .
فشبه علوم من لم يأخذ علومه وأعماله من الوحي بسراب يراه المسافر في شدة الحر ، فيؤمه فيخيب ظنه ويجده ناراً تلظى ، فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حشر الناس ، واشتد بهم العطش بدت لهم كالسراب ، فيحسبونه ماء ، فإذا أتوه وجدوا اللّه عنده ، فأخذتهم زبانية العذاب ، فعتلوهم إلى نار الجحيم ، فسقوا ماء حميماً ، فقطّع أمعاءهم ، وذلك الماء الذي سقوه هو تلك العلوم التي لا تنفع ، والأعمال التي كانت لغير اللهّ تعالى صَيَّرَهَا اللّه تعالى حميماً سقاهم إياه ، كما أن طعامهم من ضريع لا يُسمن ولا يُغني من جوع ، وهو تلك العلوم والأعمال الباطلة التي كانت في الدنيا ، كذلك لا يُسمن ولا يُغني من جوع ، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم : " قُلْ هَلْ نُنَبئُكُم بالأخْسَرينَ أعْمالاً ، الّذينَ ضَلِّ سَعْيُهُم في الحياةِ الدُنْيا وهُمْ يَحْسَبُونَ أنّهُم يُحْسنُونَ
صُنْعاً " سورة الكهف آية 103 - 104 ، وهم الذين عنى بقوله : " وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا منْ عَمَلٍ فَجَعلْناه هَبَاء مَنْثُوراً " سورة الفرقان آية 23 ، وهم
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 29
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٩