وقيل : مفسره المؤمن . أي مثل نور المؤمن . والصحيح أنه يعود على الله سبحانه وتعالى ، والمعنى : مثل نور اللّه سبحانه وتعالى في قلب عبده . وأعظم عباده نصيباً من هذا النور رسوله صلى الله عليه وسلم ، فهذا مع ما تضمنه عود الضمير المذكور ، وهو وجه الكلام يتضمن التقادير الثلاثة ، وهو أتم لفظاً ومعنى .
وهذا النور يُضاف إلى اللهّ تعالى ، إذ هو معطيه لعبده وواهبه إياه ، ويضاف إلى العبد ، إذ هو محله وقابله ، فيضاف إلى الفاعل والقابل ، ولهذا النور فاعل وقابل ومحلّ وحالّ ومادّة . وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل ، فالفاعل هو اللّه تعالى مفيض الأنوار الهادي لنوره من يشاء . والقابل : العبد المؤمن . والمحل : قلبه ، والحال : همته وعزيمته وإرادته ، والمادة : قوله وعمله ، وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني ، وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله ، وتبتهج به قلوبهم .
وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان :
إحداهما : طريقة التشبيه المركب ، وهي أقرب مأخذاً وأسلم من التكلف ، وهي أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه ومقابلته بجزء من المشبه به ، وعلى هذا عامة أمثال القرآن ، فتأمل صفة المشكاة وهي كوة تنفذ لتكون أجمع للضوء قد وضع فيها المصباح ، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها ، ومادته من أصفى الأدهان وأتمها وقوداً من زيت شجرة في وسط القراح ، لا شرقية ولا غربية بحيث تصيبها الشمس في إحدى طرفي النهار ، بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه تصيبها الشمس أعدل إصابة ، والآفات إلى الأطراف دونها ، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائها وحسنها يكاد يضيء من غير أن تمسه نار ، فهذا المجموع المركب هو مثل نور اللّه تعالى الذي وضعه في قلب المؤمن وخصه به .
والطريقة الثانية : طريقة التشبيه المفصل ، فقيل : المشكاة صدر المؤمن ،
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 26
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٦