قائل : فهل تقولون إنه في كل مكان ؟ قيل له : معاذ اللّه ! بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه ، ثم ذكر الأدلة على ذلك نقلاً وعقلاً قريباً مما ذكر في التمهيد .
وقال في هذا الكتاب أيضاً : وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها ، وهي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه واليدان والعينان والغضب والرِضى . ذكر قوله في رسالة الحيرة . قال في كلام ذكره في الصفات : وأن له وجهاً ويدين ، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا ، ثم قال : وأنه استوى على عرشه ، فاستولى على خلقه ، ففرق بين الاستواء الخاص والاستيلاء العام .
قول الحسين بن أحمد الأشعري المتكلم : من متكلمي أهل الحديث صاحب الجامع الكبير ، والصغير في أصول الدين ، قال في جامعه الصغير : فإن قيل : ما الدليل على أن اللّه تعالى على العرش بذاته ؟ قلنا : قوله تعالى : " ثمّ اسْتَوى على العَرْش الرّحمن " سورة الفرقان آية 59 . فإن قالوا : فإن العرب قولون : استوى فلان على بلد كذا ، وكذا : استولى عليها وقهر ؟ قلنا لأصحابنا : عن هذا أجوبه : أحدها : أنه لو كان استوى بمعنى استولى ، لم يكن لتخصيصه العرش بالاستواء معنى ، لأنه مستولٍ على كل شيء غيره ، فكان يجوز أن يقال : الرحمن على الجبل استوى ، وهذا باطل .
الثاني : أن العرب لا تدخل ثم إلا لمستقبل سيكون ، واللّه تعالى لم يزل قاهراً قادراً مستولياً على الأشياء ، فلم يكن بزعمهم لقوله ثم استوى على العرش معنى .
الثالث : أن الاستواء بمعنى الاستيلاء لا يكون عند العرب إلا بعد أن يكون ثم مغالب يغالبه ، فإذا غلبه وقهره قيل : قد استولى عليه ، فلما لم يكن مع الله
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 277
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٧٧