ونحوها ، واللذة العقلية كلذة العلوم والمعارف ، وتكلم على كل واحد من هذه الأقسام . . . إلى أن قال : وأما اللذة العقلية فلا سبيل إلى الوصول إليها والتعلّق بها ، فلهذا السبب نقول : يا ليتنا بقينا على العدم الأول ، وليتنا ما
شهدنا هذا العالم ، وليت النفس لم تتعلق بهذا البدن ، وفي هذا المعنى قلت :
نهايةُ أقدامِ العقولِ عِقالٌ * وغايةُ سعي العالمينَ ضلالُ
وأرواحُنا في وحْشَةٍ من جسومنا * وحاصلُ دُنيانا أذىً ووبالُ
ولم نستفد من بحثنا طولَ عُمرنا * سِوى أنْ جمعنا فيه قيلَ وقالوا
وكَم قد رأينا من رجال ودولةٍ * فَبَاعوا جميعاً مسرعينَ وزالوا
وكم من جبال قد عَلت شُرُفاتها * رجالٌ فزالوا والجبالُ جبالُ
واعلم أن بعد التوغل في هذه المضائق ، والتعمّق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق ، رأيت الأصوب الأصلح في هذا الباب طريقة القرآن العظيم ، والفرقان الكريم ، وهو ترك التعّمقّ والاستدلال بأقسام أجسام السماوات والأرضين على وجود رب العالمين ، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل ، فاقرأ في التنزيه قوله تعالى : " واللَهُ الغنيُّ وأنْتُمُ الفُقَراء " سورة محمد آية 38 . وقوله تعالى : " ليْسَ كَمِثله شيء " سورة الشورى آية 11 . وقوله تعالى : " قُلْ هُوَ اللَهُ أحَد " سورة الإخلاص آية 1 . واقرأ في الإثبات قوله : " الرحمنُ على العَرْش اسْتوى " سورة طه آية 5 . وقوله تعالى : " يَخَافون ربّهُم منْ فوقِهِمْ " سورة النحل آية 50 . وقوله تعالى : " إليْهِ يصْعَدُ الكَلِمُ الطّيِّبُ والعَمَلُ الصَّالح يَرْفعهُ " سورة فاطر آية 10 . وقوله تعالى : " قُلْ كلٌّ من عنْد اللّه " سورة لنساء آية 79 . وفي تنزيهه عما لا ينبغي قوله : " ما أصابَكَ منْ حَسَنَةٍ فمن اللّه " سورة النساء آية 79 . وعلى هذا القانون فقس ، وختم الكتاب .
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 279
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٧٩