وسار في جو السماء السحاب ، وقامت على حدودها البحار ، وهو إله قاهر يخضع له المتعزّزون ، ويخشع له المترفعونْ ، ويدين طوعاً وكرهاً له العالمون . نحمده كما حمد نفسه ، وكما هو أهله ومستحقه ، ونستعينه استعانة من فوّض إليه أمره ، وأقر أنه لا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه ، ونستغفره استغفار مقر بذنبه ، معترف بخطيئته ، ونشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، إقراراً بوحدانيته ، وإخلاصاً لربوبيته ، وإنه العالم بما تبطنه الضمائر ، وتنطوي عليه السرائر ، وما تخفيه النفوس ، وما تخزن البحار ، وما تواري الأسراب ، وما تغيض الأرحام ، وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار .
وساق خطبة طويلة بيّن فيها مخالفة المعتزلة لكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة إلى أن قال فيها : ودفعوا أن يكون لله وجه ، مع قوله : " ويَبْقى وجْهُ ربِّكَ ذو الجلال والإكْرام " سورة الرحمن آية 27 . وأنكروا أن يكون للّه يدان ، مع قوله : " لِمَا خَلْقَت بيَديَّ " سورة ص آية 75 . وأنكروا أن يكون لله عينان ، مع قوله : " تَجْري بأعْيُننا " سورة القمر آية 14 ، وكقوله : " ولتُصْنع على عَيْني " سورة طه آية 39 . ونفوا ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله : " إن الله ينزل إلى السماء الدنيا " الخ . وأنا ذاكر ذلك إن شاء الله تعالى باباً باباً وبه المعونة والتأييد ، ومنه التوفيق والتسديد .
فإن قال لنا قائل : قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية ، والحرورية والرافضة والمرجئة ، فعرّفونا قولكم الذي به تقولون ، وديانتكم التي بها تدينون ؟ ! .
قيل له : قولنا الذي به نقول ، وديانتنا التي بها ندين . التمسك بكتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وما روي عن الصحابة والتابعين ، وأئمة الحديث ، ونحن بذلك معتصمون . وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضّر الله وجهه ، ورفع درجته ، وأجزل مثوبته قائلون ، ولمن خالف قوله مجانبون ، لأنه الإمام الفاضل ، والرئيس الكامل ، الذي أبان اللهُ به الحق عند ظهور الضلال ، وأوضح به المنهاج ، وقمع به بدع المبتدعين ، وزيغ الزائغين ، وشكّ الشاكين ، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم ، وعلى جميع أئمة المسلمين .
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 266
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٦٦