ما الْكِتابُ ولا الإيمانُ ولكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نهْدي به مَنْ نَشَاء مِنْ عِبادنا " . فسمى وحيه وأمره روحاً لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح ، وسماه نوراً لما يحصل به من الهدى واستنارة القلوب ، والفرقان بين الحق والباطل .
وقد اختلف في الضمير في قوله عز وجل : " ولكن جعلناه نوراً " فقيل يعود على الكتاب ، وقيل : على الإيمان ، والصحيح أنه يعود على الروح في قوله : " روحاً من أمرنا " ، فأخبر تعالى أنه جعل أمره روحاً ونوراً وهدىً ، ولهذا ترى صاحب اتباع الأمر والسنة قد كُسِيَ من الروح والنور وما يتبعهما من الحلاوة والمهابة والجلالة والقبول ما قد حرمه غيره ، كما قال الحسن رحمه اللّه : إن المؤمن من رزِقَ حلاوة ومهابة .
وقال اللهّ تعالى : " اللَّهُ وليُّ الّذينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ من الظُّلُماتِ إلى النُّور والُّذينَ كَفَرُوا أولياؤهُم الطاغوتُ يُخرجُونهُم مِنَ النُورِ إلى الظُّلُماتِ " سورة البقرة آية 257 . فأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خلقوا فيه من ظلمة طبائعهم وجهلهم أهوائهم ، وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدوهم ، فذلك إخراجهم إياهم من النور إلى الظلمات . وقال تعالى : " أوَمَنْ كانَ مَيْتاً فأحْيَيْناه وجَعَلْنا لَهُ نُوراً يمْشي بهِ في النّاس كَمَنْ مَثَلُه في الظُّلُماتِ لَيْسَ بخَارجٍ منْها " سورة الأنعام 122 ، فإِحياؤه سبحانه وتعالى بروحه الذي هو وحيه ، وهو روح الإيمان والعلم ، وجعل له نوراً يمشي به بين أهل الظلمة كما يمشي الرجل بالسِّراج . المضيِءِ في الليلة الظَلْمَاءِ ، فهو يَرَى أَهْلَ الظلمة في ظلامتهم ، وهم لا يَرَوْنَهُ ، كالبصير الذي يمشي بين العميان .
فصل
والخارجون عن طاعة الرُّسُل صلوات اللهّ وسلامه عليهم ومتابعتهم يتقلَّبون في عشرِ ظُلمات : ظلمة الطَبع ، وظلمة الجَهل ، وظلمةِ الهَوَى ، وظلمة القَوْل ، وظلمة العَمَل ، وظلمة المَدْخَل ، وظلمة المَخْرَج ، وظلمة القَبْر ، وظلمةِ القيامة ، وظلمة دار القَرارِ . فالظلمةُ لازمة لهم في دُورهم الثلاثة .
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 17
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص١٧