وتكمل فيه ، فإن الاجتهاد من العلوم العملية ، وللعمل فيه دخالة تامة ، كما لا يخفى .
ومنها : الفحص الكامل عن كلمات القوم ، خصوصا قدماؤهم الذين دأبهم
الفتوى بمتون الأخبار ، كشيخ الطائفة ( 1 ) في بعض مصنفاته ( 2 ) ، والصدوقين ( 3 ) ، ومن
هامش
1 - شيخ الطائفة : هو شيخ الطائفة المحقة ، ورافع أعلام الشريعة الحقة ، إمام الفرقة بعد الأئمة
المعصومين ( عليهم السلام ) ، أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي البغدادي الغروي . ولد بطوس
سنة 385 ه ، وحينما بلغ الثالثة والعشرين من عمره المبارك هاجر إلى بغداد ، فتلمذ عند
الشيخ المفيد نحوا من خمس سنين حتى وفاته ، ثم التحق بالسيد المرتضى ، فلازمه نحوا من
ثمان وعشرين سنة ، ثم استقل بزعامة الطائفة ورئاستها ، وصارت داره جامعة تضم أكثر من
ثلاثمائة مجتهد من الخاصة ، كالشيخ آدم بن يونس النسفي ، والشيخ أحمد بن الحسين
الخزاعي النيسابوري ، والشيخ أبو الصلاح الحلبي ، والشيخ أبو علي الحسن ابن شيخ الطائفة
نفسه ، وغيرهم من علماء الأمة . وقد كان ( رحمه الله ) ذا إحاطة تامة بمذاهب أهل السنة ، لذا عده
السبكي - سهوا - في طبقاته من علماء الشافعية . كما كان خبيرا بعلم الكلام ملما بدقائقه
وخفاياه ، ولعل أبرز ما أنجزه الشيخ الطوسي هو أنه أدخل عنصر الاجتهاد على الفقه
الإمامي ، ونحا به منحى أصوليا بعد أن كان أخباريا في نزعته ، لا يتجاوز نقل الروايات
بألفاظها أو بعبارات أخرى على أحسن تقدير ، كما صرح به الشيخ نفسه في مقدمة كتابه
المبسوط .
توفي ( رحمه الله ) سنة 460 ه ، ودفن بداره في الغري ، التي صارت بعد ذلك مسجدا يعرف باسمه .
أنظر خاتمة المستدرك 3 : 505 ، ومقدمة العلامة الحجة آغا بزرگ الطهراني على تفسير
التبيان .
2 - أي النهاية في مجرد الفقه والفتاوى .
3 - الصدوقان هما : علي بن الحسين بن بابويه القمي ، وولده محمد رحمهما الله تعالى :
أما الأب ، فهو الشيخ الأقدم ، والطود الأشم ، العالم الفقيه المحدث ، صاحب المقامات الباهرة ،
والدرجات الرفيعة ، أبو الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي . خاطبه
الإمام العسكري ( عليه السلام ) - على ما عن الاحتجاج - بقوله : ( أوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي ، أبا
الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، وفقك الله لمرضاته ، وجعل من ولدك أولادا
صالحين . . . ) وكان ( رحمه الله ) أول من ابتكر طرح الأسانيد ، والجمع بين النظائر والآتيان بالخبر مع
قرينه ، وذلك في رسالة الشرائع التي ألفها لولده وبعض فقراتها مذكور في الفقيه والهداية
والمقنع لابنه . ونظرا للثقة المطلقة التي منحها الأصحاب إياه ، ولاعتمادهم المطلق عليه ، لذا
فقد كانوا يأخذون الفتاوى من رسالته إذا أعوزهم النص ، وهذا من متفرداته قدس الله نفسه
الزكية . مات ( رحمه الله ) سنة 329 ه .
أنظر رجال النجاشي 261 / 684 ، وخاتمة المستدرك 3 : 527 - 529 .
وأما الابن ، فهو شيخ من مشايخ الشيعة ، وركن من أركان الشريعة ، رئيس المحدثين ،
والصدوق فيما يرويه عن الأئمة ( عليهم السلام ) ، أبو جعفر محمد بن علي القمي . ولد في حدود سنة 305 ه
بدعاء صاحب الأمر ( عليه السلام ) ، ونال بذلك عظيم الفضل والفخر . وصفه الإمام ( عليه السلام ) في
التوقيع الخارج من ناحيته : بأنه ( فقيه خير مبارك ينفع الله به ) فكان منذ حداثته أعجوبة
عصره في كثرة حفظه ، وكلما روى شيئا تعجب الناس منه قائلين : هذا الشأن خصوصية لك
ولأخيك ، لأنكما ولدتما بدعاء الصاحب ( عليه السلام ) . ولا غرو في ذلك فقد ورد الصدوق بغداد وهو
حدث السن ، فسمع منه شيوخ الطائفة ، كمحمد بن هارون التلعكبري ، والمفيد ، والحسين
الغضائري ، ووالد الشيخ النجاشي ، وجعفر بن حسكة القمي ، ومحمد بن سليم الحمراني ،
وغيرهم من أعاظم الطائفة . له نحو من ثلاثمائة مصنف ، أهم ما وصل منها كتاب من لا
يحضره الفقيه ، والتوحيد ، والخصال ، وعلل الشرائع ، وغيرها ومنها الهداية والمقنع فكثير من
عبائرهما مطابق لمتون الأخبار . توفي ( رحمه الله ) بالري سنة 381 ه .
أنظر تنقيح المقال 3 : 154 ، وخاتمة المستدرك 3 : 524 - 525 .