تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
صلى الله عليه وسلم « كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه » فتحرك باطني إلى طلب الفطرة الأصلية ، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين ، والأستاذين ، والتمييز بين هذه التقليدات ، وأوائلها تلقينات ، وفي تمييز الحق منها من الباطل اختلافات . فقلت في نفسي أولا : إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور ، ولا بد من طلب حقيقة العلم ما هي ، فظهر لي أن العلم اليقين هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ، ولا يقارنه إمكان الغلط كالوهم ، ولا يتسع العقل لتقدير ذلك ، بل الأمان من الخطأ ، ينبغي أن يكون مقارنا للنقص ، مقارنة لو تحدي بإظهار بطلانه مثلا ، من يقلب الحجر ذهبا ، والعصا ثعبانا ، لم يورث ذلك شكا وإمكانا ، فإني إذا علمت أن العشرة أكثر من الواحد ، لو قال لي قائل ، الواحد أكثر من العشرة ، بدليل أنى أقلب هذه العصا ثعبانا ، وقلبها وشاهدت ذلك منه ، لم أشك في معرفتي لكذبه ، ولم يحصل معي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه ، وأما الشك فيما علمته ، فلا ثم علمته ، أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ، ولا أتيقنه من هذا النوع من اليقين ، فهو علم لا ثقة به ، وكل علم لا أمان معه ، ليس بعلم يقيني ، ثم فتشت عن علومى ، فوجدت نفسي عاطلا ، عن علم موصوف بهذه الصفة ، إلا في الحسيات والضروريات ، فقلت الآن بعد حصول اليأس ، لا مطمع في اقتباس المستيقنات إلا من الجليات ، وهي الحسيات والضروريات ، فلا بد من إحكامها أولا : لأتبين أن يقيني بالمحسوسات ، وأمانى من الغلط في الضروريات ، فلا بد من إحكامها أولا : لأتبين أن يقيني بالمحسوسات ، وأمانى من الغلط في الضروريات من جنس أماني الذي كان من قبل في التقليدات ، أو من جنس أمان أكثر الخلق في النظريات ، وهو أمان محقق ، لا تجوّز فيه ولا غائلة له ، فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات أنظر هل يمكنني أشكك نفسي فيها ، فانتهى بعد طول التشكك بي إلى أنه لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات ، وأخذ يتسع الشك فيها ، ثم إني ابتدأت لعلم الكلام ، فحصلته وعلقته ، وطالعت كتب المحققين منهم ، وصنفت ما أردت أن أصنفه ، فصادفته علما وافيا بمقصوده ، غير واف بمقصودي ، ولم أزل أتفكر فيه مدة ، وأنا بعد على مقام الاختيار أصمم عزمي على الخروج عن بغداد ، ومفارقة تلك الأحوال يوما ، وأحل العزم