تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
يوما ، وأقدم فيه رجلا ، وأؤخر فيه أخرى ، ولا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة ، إلا حمل عليها جند الشهوة جملة ، فيغيرها عشية ، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني ، بسبب ميلها إلى المقام ، ومنادى الإيمان ينادى الرحيل الرحيل ، فلم يبق من العمر إلا القليل ، وبين يديك السفر الطويل ، وجميع ما أنت فيه من العمل رياء وتخييل ، وإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد ، وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطعها ، فعند ذلك تنبعث الرغبة وينجزم الأمر على الهرب والفرار ، ثم يعود الشيطان ويقول : هذه حالة عارضة ، إياك أن تطاوعها ، فإنها سريعة الزوال ، وإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه الطويل العريض . والشأن العظيم الخالي عن التكدير والتنغيص ، والأمر السالم الخالي عن منازعة الخصوم ، ربما التفتت إليه نفسك ، ولا نتيسر لك المعاودة ، فلم أزل أتردد بين التجاذب بين شهوات الدنيا والدواعي ، قريبا من ستة أشهر ، أولها رجب من سنة ست وثمانين وأربعمائة ، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ، إذ قفل الله على لساني ، حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطبيبا لقلوب المختلفة إلىّ ، فكان لا ينطق لساني بكلمة ، ولا أستطيعها البتة ، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزنا في القلب ، بطلت معه قوّة الهضم ومرى الطعام والشراب ، وكان لا تنساغ لي شربة ولا تنهضم لي لقمة ، وتعدى ذلك إلى ضعف القوى ، حتى قطع الأطباء طمعهم في العلاج ، وقالوا هذا أمر نزل بالقلب ، ومنه سرى إلى المزاج ، فلا سبيل إليه بالعلاج ، إلا بأن يتروح السر عن الهم المهم ، ثم لما أحسست بعجزي ، وسقط بالكلية اختياري ، التجأت إلى الله التجاء المضطر الذي لا حيلة له ، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه ، وسهل على قلبي الإعراض عن المال والجاه . والأهل والأولاد ، وأظهرت غرض الخروج إلى مكة ، وأنا أدبر في نفسي سفر الشام حذرا من أن يطلع الخليفة ، وجملة الأصحاب على غرضي في المقام بالشام . فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد ، على عزم أن لا أعاودها أبدا ، واستهزأ بي أئمة العراق كافة إذ لم يكن فيه من يجوز أن يكون الإعراض عما كنت فيه سببا دينيا ، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين ، فكان ذلك هو مبلغهم من العلم ، ثم ارتبك الناس
إحياء علوم الدين — صفحة 20 | الغزالي