تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
إخلاص التوحيد ، والصدق في العمل ، وعدم الإجحاف بالخوف والرجاء ، والتزين بالصبر والشكر ، لأن هذه كلها وما يتعلق بها من علم الأمر والنهي واجبة ، قال الله تعالى * ( فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ ) * « 1 » وقد سبق التنبيه عليه ، وأما الذي هو في حكم الغايات مثل انقلاب الهيئات ، والنظر بالتوفيق بحكم الموافقة والرضا بالإثبات ، والتوكل بالتجريد ، وحقيقة علم معاني التوحيد وسير معاني التقرير ، وأوصاف أهل أبيات اليقين ، فهو درجات ومقامات ، ومنازل ومراتب . ومنح يخص الله تعالى بها من شاء من عباده ، من غير أن ينال بطلب ولا بحث ولا تعليم ، ولو كان ذلك لما قيل للناظر السالك حين أراد الارتقاء إلى درجة أعلى من درجته بلسان السؤال ، ارجع لا تتخطى رقاب الصديقين ، لكنها مواهب أكرم الله تعالى بها أهل صفوته ، وولايته ، وهي مراتب الصدق في العلم ، وبركات الإخلاص في العمل ، فمن لم يرث من علمه وعمله المفترض عليه ، فطلبه والعمل به شتان من هذه المعاني ، فليس في شيء من الحقيقة ، وإن كان حقا غير أن حاله معلول ، إما مفتون بدنياه ، أو محجوب بهواه ، وربك على كل شيء قدير . فصل وأما لأي شيء ذكرت هذه العلوم بالإشارات دون العبارات ، وبالرموز دون التصريحات ، وبالمتشابه من الألفاظ دون المحكمات . وإن كان قد سبق هذا من الشارع فيما له أن يمتحن به من كلف ، ويتلو من بعيد ، ولكن للعلم رجال مخصوصون فما بال من لم يجعل شارعا . ولم يبعث لغير أن يسلك ذلك والجواب عنه أن العالم هو وارث النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما ورث العلم ليتجمل بعمله ، ويحل فيه كمحله ، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى ، وحكم الوارث فيما ورث حكم الموروث فيما ورث عنه ، فما عرف فيه الحكم من فعل الموروث عنه امتثله ، وما لم يصل إليه فيه شيء كان له اجتهاده ، فإن أخطأ كان له أجر ، وإن أصاب كان له أجران
هامش
« 1 » التغابن : 16
إحياء علوم الدين — صفحة 60 | الغزالي