تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
بيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله سبحانه اعلم أن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله تعالى . وكان هذا يقتضي أن تكون معرفته أول المعارف وأسبقها إلى الأفهام ، وأسهلها على العقول ، وترى الأمر بالضد من ذلك ، فلا بد من بيان السبب فيه . وإنما قلنا إنه أظهر الموجودات وأجلاها لمعنى لا تفهمه إلا بمثال وهو أنا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط مثلا ، كان كونه حيا عندنا من أظهر الموجودات فحياته ، وعلمه . وقدرته ، وإرادته للخياطة ، أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة إذ صفاته الباطنة كشهوته ، وغضبه ، وخلقه ، وصحته . ومرضه ، وكل ذلك لا نعرفه وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها ، وبعضها نشك فيه كمقدار طوله واختلاف لون بشرته وغير ذلك من صفاته . أما حياته . وقدرته ، وإرادته ، وعلمه ، وكونه حيوانا ، فإنه جلي عندنا من غير أن يتعلق حس البصر بحياته وقدرته وإرادته ، فإن هذه الصفات لا تحس بشيء من الحواس الخمس ، ثم لا يمكن أن نعرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته ، فلو نظرنا إلى كل ما في العالم سواه لم نعرف به صفته ، فما عليه إلا دليل واحد ، وهو مع ذلك جلي واضح ووجود الله تعالى ، وقدرته وعلمه ، وسائر صفاته . يشهد له بالضرورة كل ما نشاهده ولدركه بالحواس الظاهرة والباطنة من حجر ، ومدر ، ونبات ، وشجر ، وحيوان ، وسماء ، وأرض ، وكوكب ، وبر ، وبحر ، ونار ، وهواء ، وجوهر ، وعرض بل أول شاهد عليه أنفسنا ، وأجسامنا ، وأوصافنا ، وتقلب أحوالنا ، وتغير قلوبنا ، وجميع أطوارنا في حركاتنا وسكناتنا . وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا ، ثم محسوساتنا بالحواس الخمس ، ثم مدركاتنا بالعقل والبصيرة . وكل واحد من هذه المدركات له مدرك واحد ، وشاهد واحد ، ودليل واحد . وجميع ما في العالم شواهد ناطقة ، وأدلة شاهدة بوجود خالقها . ومدبرها ، ومصرفها ، ومحركها ، ودالة على علمه ، وقدرته ، ولطفه ، وحكمته . والموجودات المدركة لا حصر لها ، فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا ، وليس يشهد لها إلا شاهد واحد ، وهو ما أحسسنا به من حركة يده ، فكيف لا يظهر عندنا ما لا يتصور في الوجود شيء داخل نفوسنا وخارجها
إحياء علوم الدين — صفحة 85 | الغزالي