تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
إلى حظيرة القدس ، فرأيت في سرادق العرش رجلا قد شخص ببصره ينظر إلى الله تعالى لا يطرف . فقلت لرضوان : من هذا ؟ فقال معروف الكرخي ، عبد الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنته بل حبا له ، فأباحه النظر إليه إلى يوم القيامة . وذكر أن الآخرين بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل . ولذلك قال أبو سليمان : من كان اليوم مشغولا بنفسه فهو غدا مشغول بنفسه ، ومن كان اليوم مشغولا بربه فهو غدا مشغول بربه . وقال الثوري لرابعة : ما حقيقة إيمانك ؟ قالت ما عبدته خوفا من ناره ولا حبا لجنته فأكون كالأجير السوء بل عبدته حبّا له وشوقا إليه . وقالت في معنى المحبة نظما :
أحبك حبين حب الهوى وحبا لأنك أهلا لذاكا فأما الذي هو حب الهوى فشغلى بذكرك عمّن سواكا وأما الذي أنت أهل له فكشفك إلى الحجب حتى أراك فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
ولعلها أرادت بحب الهوى حب الله لإحسانه إليها ، وإنعامه عليها بحظوظ العاجلة ، وبحبه لما هو أهل له الحب لجماله وجلاله الذي انكشف لها ، وهو أعلى الحبين وأقواهما . ولذة مطالعة جمال الربوبية هي التي عبر عنها [ 1 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال حاكيا عن ربه تعالى « أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » وقد تعجل بعض هذه اللذات في الدنيا لمن انتهى صفاء قلبه إلى الغاية . ولذلك قال بعضهم : إني أقول يا رب يا الله . فأجد ذلك على قلبي أثقل من الجبال ، لأن النداء يكون من وراء حجاب ، وهل رأيت جليسا ينادى جليسه ! وقال : إذا بلغ الرجل في هذا العلم الغاية رماه الخلق بالحجارة . أي يخرج كلامه عن حد عقولهم ، فيرون ما يقوله جنونا أو كفرا فمقصد العارفين كلهم وصله ولقاؤه فقط . فهي قرة العين التي لا تعلم نفس ما أخفى لهم منها ، وإذا حصلت انمحقت الهموم والشهوات كلها وصار القلب مستغرقا بنعيمها ، فلو ألقى في النار لم يحس بها لا استغراقه ، ولو عرض عليه نعيم الجنة لم يلتفت إليه لكمال نعيمه ، وبلوغه الغاية
شرح
[ 1 ] حديث قال صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت - الحديث : البخاري من حديث أبي هريرة