فواسطة يصل بها إحسان الله إليك ، وصاحب اليد مضطر في ذلك اضطرار مجرى الماء في جريان الماء فيه ، فإن اعتقدته محسنا أو شكرته من حيث هو بنفسه محسن ، لا من حيث هو واسطة كنت جاهلا بحقيقة الأمر ، فإنه لا يتصور الإحسان من الإنسان إلا إلى نفسه أما الإحسان إلى غيره فمحال من المخلوقين ، لأنه لا يبذل ماله إلا لغرض له في البذل ، إما آجل وهو الثواب ، وإما عاجل وهو المنّة والاستسخار ، أو الثناء والصيب ، والاشتهار بالسخاء والكرم ، أو جذب قلوب الخلق إلى الطاعة والمحبة ، وكما أن الإنسان لا يلقى ماله في البحر ، إذ لا غرض له فيه ، فلا يلقيه في يد إنسان إلا لغرض له فيه ، وذلك الغرض هو مطلوبه ومقصده ، وأما أنت فلست مقصودا ، بل يدك آلة له في القبض حتى يحصل غرضه من الذكر والثناء أو الشكر أو الثواب ، بسبب قبضك المال ، فقد استسخرك في القبض للتوصل إلى غرض نفسه . فهو إذا محسن إلى نفسه ، ومعتاض عما بذله من ماله عوضا هو أرجح عنده من ماله ، ولولا رجحان ذلك الحظ عنده لما نزل عن ماله لأجلك أصلا البتة فإذا هو غير مستحق للشكر والحب من وجهين أحدهما : أنه مضطر بتسليط الله الدواعي عليه ، فلا قدرة له على المخالفة ، فهو جار مجرى خازن الأمير ، فإنه لا يرى محسنا بتسليم خلعة الأمير إلى من خلع عليه ، لأنه من جهة الأمير مضطر إلى الطاعة ، والامتثال لما يرسمه ، ولا يقدر على مخالفته . ولو خلاه الأمير ونفسه لما سلم ذلك ، فكذلك كل محسن لو خلاه الله ونفسه لم يبذل حبّة من ماله ، حتى سلط الله الدواعي عليه وألقى في نفسه أن حظه دينا ودنيا في بذله فبذله لذلك والثاني : أنه معتاض عما بذله حظا هو أو في عنده وأحب مما بذله ، فكما لا يعد البائع محسنا لأنه بذل بعوض هو أحب عنده مما بذله ، فكذلك الواهب ، اعتاض الثواب أو الحمد والثناء أو عوضا آخر ، وليس من شرط العوض أن يكون عينا متمولا ، بل الحظوظ كلها أعواض تستحقر الأموال والأعيان بالإضافة إليها ، فالإحسان في الجود ، والجود هو بذل المال من غير عوض وحظ يرجع إلى الباذل وذلك محال من غير الله سبحانه ، فهو الذي أنعم على العالمين إحسانا إليهم ، ولأجلهم ، لا لحظو غرض يرجع إليه ، فإنه يتعالى عن الأغراض فلفظ الجود والإحسان في حق غيره كذب أو مجاز ، ومعناه في حق غيره محال وممتنع امتناع
إحياء علوم الدين — صفحة 54
مساهمون: الغزالي
ص٥٤