تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
كسرا لقلوب بقية المسلمين ، وسعيا في إهلاكهم . فهذه أمور دقيقة ، فمن لا يلاحظها وينظر إلى ظواهر الأخبار والآثار يتناقض عنده أكثر ما سمعه . وغلط العبّاد والزهاد في مثل هذا كثير . وإنما شرف العلم وفضيلته لأجل ذلك فإن قلت : ففي ترك التداوي فضل كما ذكرت ، فلم لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم التداوي لينال الفضل . فنقول : فيه فضل بالإضافة إلى من كثرت ذنوبه ليكفرها أو خاف على نفسه طغيان العافية وغلبة الشهوات ، أو احتاج إلى ما يذكره الموت لغلبة الغفلة أو احتاج إلى نيل ثواب الصابرين لقصوره عن مقامات الراضين والمتوكلين ، أو قصرت بصيرته عن الاطلاع على ما أودع الله تعالى في الأدوية من لطائف المنافع حتى صار في حقه موهوما كالرقى ، أو كان شغله بحاله يمنعه عن التداوي ، وكان التداوي يشغله عن حاله لضعفه عن الجمع . فإلى هذه المعاني رجعت الصوارف في ترك التداوي وكل ذلك كمالات بالإضافة إلى بعض الخلق ، ونقصان بالإضافة إلى درجة رسول الله صلى الله عليه وسلم . بل كان مقامه أعلى من هذه المقامات كلها ، إذ كان حاله يقتضي أن تكون مشاهدته على وتيرة واحدة عند وجود الأسباب وفقدها . فإنه لم يكن له نظر في الأحوال إلا إلى مسبب الأسباب ومن كان هذا مقامه لم تضره الأسباب . كما أن الرغبة في المال نقص ، والرغبة عن المال كراهية له وإن كانت كمالا فهي أيضا نقص بالإضافة إلى من يستوي عنده وجود المال وعدمه فاستواء الحجر والذهب أكمل من الهرب من الذهب دون الحجر . وكان حاله صلى الله عليه وسلم استواء المدر والذهب عنده . وكان لا يمسكه لتعليم الخلق مقام الزهد فإنه منتهى قوتهم ، لا لخوفه على نفسه من إمساكه ، فإنه كان أعلى رتبة من أن تغره الدنيا [ 1 ] وقد عرضت عليه خزائن الأرض فأبى أن يقبلها . فكذلك يستوي عنده مباشرة الأسباب وتركها لمثل هذه المشاهدة . وإنما لم يترك استعمال الدواء جريا على سنة الله تعالى ، وترخيصا لأمته فيما تمس إليه حاجتهم ، مع أنه لا ضرر فيه . بخلاف إدخال الأموال ، فإن ذلك يعظم ضرورة . نعم التداوي لا يضر إلا من حيث رؤبة الدواء نافعا دون خالق الدواء ، وهذا قد
شرح
[ 1 ] حديث أنه عرضت عليه خزائن الأرض فأبى أن يقبلها : تقدم ولفظه عرضت مفاتيح خزائن السها وكنوز الأرض فردها
إحياء علوم الدين — صفحة 35 | الغزالي