تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
وهذه أعز النيات وأعلاها ، ويعز على بسيط الأرض من يفهمها فضلا عمن يتعاطاها ونيات الناس في الطاعات أقسام . إذ منهم من يكون عمله إجابة لباعث الخوف ، فإنه يتقى النار . ومنهم من يعمل إجابة لباعث وهو الرغبة في الجنة ، وهذا وإن كان نازلا بالإضافة إلى قصد طاعة الله وتعظيمه لذاته وجلاله لا لأمر سواه ، فهو من جملة النيات الصحيحة ، لأنه ميل إلى الموعود في الآخرة ، وإن كان من جنس المألوفات في الدنيا . وأغلب البواعث باعث الفرج والبطن ، وموضع قضاء وطرهما الجنة . فالعامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه ، كالأجير السوء ، ودرجته درجة البله ، وإنه لينالها بعمله ، إذا أكثر أهل الجنة البله وأما عبادة ذوي الألباب فإنها لا تجاوز ذكر الله تعالى والفكر فيه ، حبا لجماله وجلاله وسائر الأعمال تكون مؤكدا وروادف ، وهؤلاء أرفع درجة من الالتفات إلى المنكوح والمطعوم في الجنة ، فإنهم لم يقصدوها ، بل هم الذين يدعون ربهم بالغداة والغشي يريدون وجهه فقط ، وثواب الناس بقدر نياتهم . فلا جرم يتنعمون بالنظر إلى وجهه الكريم ، ويسخرون ممن يلتفت إلى وجه الحور العين ، كما يسخر المتنعم بالنظر إلى الحور العين ممن يتنعم بالنظر إلى وجه الصور المصنوعة من الطين ، بل أشد ، فإن التفاوت بين جمال حضرة الربوبية وجمال الحور العين ، أشد وأعظم كثيرا من التفاوت بين جمال الحور العين والصور المصنوعة من الطين . بل استعظام النفوس البهيمية الشهوانية لقضاء الوطر من مخالفة الحسان وإعراضهم عن جمال وجه الله الكريم ، يضاهي استعظام الخنفساء لصاحبتها وإلفها لها ، وإعراضها عن النظر إلى جمال وجوه النساء ، فعمى أكثر القلوب عن إبصار جمال الله وجلاله يضاهي عمى الخنفساء عن إدراك جمال النساء فإنها لا تشعر به أصلا ، ولا تلتفت إليه . ولو كان لها عقل وذكرن لها لاستحسنت عقل من يلتفت إليهن ، ولا يزالون مختلفين ، كل حزب بما لديهم فرحون ، ولذلك خلقهم حكى أن أحمد بن خضرويه رأى ربه عز وجل في المنام ، فقال له : كل الناس يطلبون منى الجنة إلا أبا يزيد ، فإنه يطلبني . ورأى أبو يزيد ربه في المنام فقال : يا رب ، كيف الطريق إليك ؟ فقال اترك نفسك وتعالى إلى . ورؤي الشبلي بعد موته في المنام . فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال لم يطالبني على الدعاوي بالبرهان إلا على قول واحد ، قلت يوما أي خسارة أعظم من خسران الجنة ؟