تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
فهذا وأمثاله من الأخبار قطع قلوب الخائفين . فإن كنت من أولى العزم والنهى ، ولم تكن من المغترين ، فانظر لنفسك الآن ، ودقق الحساب على نفسك قبل أن يدقق عليك ، وراقب أحوالك ، ولا تسكن ولا تتحرك ما لم تتأمل أولا أنك لم تتحرك ؟ وما ذا تقصد ؟ وما الذي تنال به من الدنيا ؟ وما الذي يفوتك من الآخرة ، وبما ذا ترجح الدنيا على الآخرة ؟ فإذا علمت أنه لا باعث إلا الدين فامض عزمك وما خطر ببالك ، وإلا فأمسك . ثم راقب أيضا قلبك في إمساكك وامتناعك ، فإن ترك الفعل فعل ، ولا بد له من نية صحيحة ، فلا ينبغي أن يكون الداعي هوى خفي لا يطلع عليه ، ولا يغرنك ظواهر الأمور ، ومشهورات الخيرات ، وافطن للأغوار والأسرار تخرج من حيز أهل الاغترار ، فقد روي عن زكريا عليه السلام ، أنه كان يعمل في حائط بالطين ، وكان أجيرا لقوم ، فقدموا له رغيفه ، إذا كان لا يأكل إلا من كسب يده ، فدخل عليه قوم ، فلم يدعهم إلى الطعام حتى فرغ ، فتعجبوا منه لما علموا من سخائه وزهده ، وظنوا أن الخير في طلب المساعدة في الطعام ، فقال : إني أعمل لقوم بالأجرة وقدموا إلي الرغيف لأتقوى به على عملهم ، فلو أكلتم معي لم يكفكم ولم يكفني ، وضعفت عن عملهم . فالبصير هكذا ينظر في البواطن بنور الله ، فإن ضعفه عن العمل نقص في فرض ، وترك الدعوة إلى الطعام نقص في فضل ، ولا حكم للفضائل مع الفرائض وقال بعضهم : دخلت على سفيان وهو يأكل ، فما كلمني حتى علق أصابعه ثم قال لولا أنى أخذته بدين لأحببت أن تأكل منه . وقال سفيان : من دعا رجلا إلى طعامه وليس له رغبة أن يأكل منه . فإن أجابه فأكل فعليه وزران ، وإن لم يأكل فعليه وزر واحد وأراد بأحد الوزرين النفاق ، وبالثاني تعريضه أخاه لما يكره لو علمه . فهكذا ينبغي أن يتفقد العبد نيته في سائر الأعمال ، فلا يقدم ولا يحجم إلا بنية ، فإن لم تحضره النية توقف ، فإن النية لا تدخل تحت الاختيار

بيان أن النية غير داخلة تحت الاختيار

اعلم أن الجاهل يسمع ما ذكرناه من الوصية بتحسين النية وتكثيرها مع قوله صلى الله عليه وسلم « إنما الأعمال بالنيات » فيقول في نفسه عند تدريسه ، أو تجارته ، أو أكله : نويت أن أدرس لله ، أو أتجر لله ، أو آكل لله . ويظن ذلك نية . وهيهات ، فذلك حديث نفس ،