تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
بالمرآة ؟ فسكت ساعة ثم قال : نعم فقيل له في ذلك ، فقال : كان لي في المدري نية ، ولم تحضرني في المرآة نية ، فتوقفت حتى هيأها الله تعالى ومات حماد بن سليمان ، وكان أحد علماء أهل الكوفة ، فقيل للثوري ، ألا تشهد جنازته ؟ فقال لو كان لي نية لفعلت . وكان أحدهم إذا سئل عملا من أعمال البر يقول : إن رزقني الله تعالى نية فعلت وكان طاوس لا يحدث إلا بنية . وكان يسئل أن يحدث فلا يحدث ، ولا يسئل فيبتدئ . فقيل له في ذلك ، قال : أفتحبون أن أحدث بغير نية ؟ إذا حضرتني نية فعلت وحكي أن داود بن المحبر لما صنف كتاب العقل ، جاءه أحمد بن حنبل ، فطلبه منه ، فنظر فيه أحمد صفحا ورده ، فقال : مالك ؟ قال فيه أسانيد ضعاف . فقال له داود : أنا لم أخرجه على الأسانيد ، فانظر فيه بعين الخبر ، إنما نظرت فيه بعين العمل فانتفعت . قال أحمد : فرده علي حتى أنظر فيه بالعين التي نظرت . فأخذه ومكث عنده طويلا ثم قال : جزاك الله خيرا . فقد انتفعت به وقيل لطاوس : ادع لنا ، فقال : حتى أجد له نية . وقال بعضهم : أنا في طلب نية لعيادة رجل منذ شهر فما صحت لي بعد وقال عيسى بن كثير : مشيت مع ميمون بن مهران ، فلما انتهى إلى باب داره انصرفت فقال ابنه : ألا تعرض عليه العشاء ؟ قال ليس من نيتي : وهذا لأن النية تتبع النظر ، فإذا تغير النظر تغيرت النية . وكانوا لا يرون أن يعملوا عملا إلا بنية . لعلمهم بأن النية روح العمل ، وأن العمل بغير نية صادقة رياء وتكلف ، وهو سبب مقت لا سبب قرب . وعلموا أن النية ليست هي قول القائل بلسانه نويت ، بل هو انبعاث القلب يجرى مجرى الفتوح من الله تعالى ، فقد تتيسر في بعض الأوقات ، وقد تتعذر في بعضها نعم من كان الغالب على قلبه أمر الدين تيسر عليه في أكثر الأحوال إحضار النية للخيرات ، فإن قلبه مائل بالجملة إلى أصل الخير ، فينبعث إلى التفاصيل غالبا . ومن مال قلبه إلى الدنيا وغلبت عليه ، لم يتيسر له ذلك ، بل لا يتيسر له في الفرائض إلا بجهد جهيد ، وغايته أن يتذكر النار ، ويحذر نفسه عقابها ، أو نعيم الجنة ، ويرغب نفسه فيها ، فربما تنبعث له داعية ضعيفة ، فيكون ثوابه بقدر رغبته ونيته وأما الطاعة على نية إجلال الله تعالى لاستحقاقه الطاعة والعبودية ، فلا تتيسر للراغب في الدنيا ،